أمينة سره تبوح لـ"فلسطين" بـ"أجمل الذكريات"

إبراهيم أبو نجا.. في ذكرى ميلاده توهجت سيرته

...
غزة - يحيى اليعقوبي

الأمر أن النور في قلبها لا ينطفئ بـ"اسمه"؛ وأن روحه البيضاء هي بقعة الضوء الوحيدة المتبقية في فؤادها، مرت ثلاث سنوات تهرب فيها أفكارها عن هذا العالم الخالي منه إليه؛ لكنه اليوم مدها بنور آخر، إنه إبراهيم أبو نجا، فقد كان له في مقارعة المحتل "صولات وجولات"، وبصمة خلف كل انفجار دك حصون الاحتلال وجيشه، نجا من كل محاولات اغتياله حتى لقبه رفاقه بـ"صاحب الأرواح السبعة".

رحل زوجها شهيدًا منذ ثلاثة أعوام؛ لكنها في كل يوم تنقب صفحات الذاكرة، تكتشف شيئًا جديدًا في شخصيته، تحن إلى ابتسامة انطفأت؛ وكأنه برحيله أطفأ معه شعاع النور من "صدر البيت"، فبات كل ركن فيه مليئًا بالحزن على فراق "أبي المعتصم".

قبالة شاشة التلفاز، جلست ابنتها "هناء" (19 عامًا) وإخوتها، يتابعون برنامج "ما خفي أعظم" الذي حمل عنوان: "الصفقة والسلاح"، مرت مشاهد، لشخصيات، وصور لصواريخ المقاومة وقد "أثلجت صدور المتابعين"، حتى مرت صورة أحد أبطال المقاومة الشهداء، بانفعال نظرت هناء بكامل اتساع عينيها على الشاشة، فكانت صورة لوالدها، وقد كشفت المقاومة عن دوره الكبير في مشروع لها "إعادة تدوير قذائف الاحتلال التي لم تنفجر بغزة وقذائف لسفينتين غارقتين منذ الحرب العالمية الأولى"، تجلت مشاعر "الفخر والبطولة"، مع اتصالات ورسائل تصلهم من المحبين، مدركين أنهم عاشوا تحت ظلال رجل ملأ اسمه الأرض بأفعاله.

صوت أم "المعتصم" من الجهة الأخرى للهاتف، يقص شريط قصة أحد أبطال المقاومة: "صحيح أني كنت نائمة؛ لحظة عرض البرنامج، لكني في الصباح استيقظت على اتصالات ورسائل، الجميع يسألني عن شعوري، فقلت لهم: إنه رفع رأسي يوم استشهاده لأني كنت أعرف قدره ومكانته في المقاومة في زواجنا، وقبله؛ فقد كان ابن عمي وأعرف حسن خلقه، وسأبقى مفتخرة به طوال حياتي".

وداع خلف الكفن

القصة: 7 حزيران (يونيو) 2017م، وافق الـ12 من رمضان؛ أبو "المعتصم" عاد من يوم اعتكاف أمضاه بمدينة غزة، وقبل خروجه من المنزل عصرًا طلب من زوجته إعداد طبق "سلطة خضار".

على عتبات البيت نظرته وقعت على حفيدته "بتول" (6 أعوام) تريد الخروج من المنزل مع والدتها، اختبأ خلف باب المنزل، وداعب حفيدته كعادته يخيرها: "بدك تيجي معي ولا مع إمك؟"، وكرر الاختباء وراء الباب عدة مرات يغطي وجهه بيديه، تاركًا آخر ابتسامة له عند باب البيت.

"يمّا، في انفجار في أبويا بالموقع مش عارفين كيف وضعه" لم يمض وقت طويل على خروجه من المنزل، وقدوم ابنها "معتصم" بهذا الخبر؛ "خرجت من المنزل على عجل، من شدة الخوف عليه" تستذكر زوجته، لكن أحدهم طمأنها: "شوية حروق تعرض لها والآن هو بالمشفى"، أو بالأحرى حاول تهدئة بركان خوفها، لكن خبر الاستشهاد وصلها: "حمدت الله، واسترجعت في مصابي، فقد رفع أبو المعتصم رأسي، رجل مثله عزيز علينا، لم يحب الدنيا، ولم يحب إمساك المال".

ترك الوداع الأخير غصة في قلب أم المعتصم، تذكر كل تفاصيله: "كان غريبًا، حتى إن الطبق الذي طلبه نسي أخذه، ورغم انشغاله، وعجلته من أمره، وقف مع كل شخص قابله قليلًا، وداعب حفيدته فهو يعشق الصغار، إلى درجة أنه صاحب "نفس طيبة" مستعد لتناول الطعام مع مجموعة صغار ولا يتأفف".

إلا أن الذكريات المؤلمة تأبى أن تمر مرور الكرام دون أن تنبش أحزانها: "حملوه على الأكتاف، وجاؤوا به؛ لم أره، فالانفجار ترك أثرًا على جسده".

بقيت صورة "أبي المعتصم" التي خرجت من المنزل، صاحب الابتسامة و"الوجه البشوش" الصورة الأخيرة التي رأتها زوجته، ودعت روحه "الطيبة".

"أتدري؟" -ما زالت تنقب في شخصيته- "حدثني أحدهم أنه قبل استشهاده بيوم شاهده بزاوية المسجد يبكي ويقرآ القرآن، حزينًا على وضع غزة، وقد عثرت على مذكرة، يدون بها أجندته اليومية من مواعيد حتى لا ينسى".

ملحوظة هنا تلفت حديثها: "رزقت ست بنات، لم يتكلم يومًا قط، ولم يبدِ اعتراضه على حكم الله يومًا، فقد كان سعيدًا جدًّا بهن، حتى إنه ظل يفضل البنات بعد أن رزقت ثلاثة أولاد ذكور، وكان حنونًا عليهن".

يبتسم صوتها، ولعلها نالت من شخصيته: "هل تدري؟، كان يعطينا المال، ويأخذ منه ما يحتاج له، وكان معظمه لعمله المقاوم".

ما زالت تنبش في هذه الشخصية "المتواضعة": "الجميع شاهد بيتنا بعد إعادة إعماره –علمًا أنه قصف في عدوان الاحتلال على غزة عام 2014م– وكان بيتًا عاديًّا، حصيرة مفروشة في صدر البيت، وغرفة ضيوف هدية من أهلي، كان يحن على الغلابة، لا يحب أن يبقي طعامًا كثيرًا في البيت، يحب توزيعه على المحتاجين".

قدرًا، وجد أبو المعتصم الفارق الزمني بينه وبين زوجته في العمر مساحة للمزاح الدائم، فقد كانت تكبره بثمانية أشهر، تعلق وقد ابتسمت هنا كذلك: "كان يمازحني بهذه المسألة: (أنا ماخد وحدة عجوز)".

قبل أيام؛ أوقدت العائلة شموع الحزن، فقد مرت الذكرى الـ54 لميلاد أبي المعتصم "ممزوجة بالحزن والفخر"، فهو من مواليد 17 أيلول (سبتمبر) 1966م، وولدت معها إحدى سرائره "العسكرية" وخرجت إلى النور، من "رحم المقاومة" وتوهجت سيرته بين الناس.

مرت ثلاث سنوات ولا يزال طيفه يحوم في البيت، أم المعتصم يعتريها ذاك الشوق: "لا يزال صوته وهو يطلب مني أن أوقظه العصر للذهاب إلى عمله، يرن في أذني، ما زلت أسمع الصوت كل يوم".

حتى "قطة" اعتنى بها افتقدته، أم المعتصم تروي القصة: "لقبها "حمود" وكانت تتحسس قدومه المنزل، وحينما يأتي تسبقه إلى غرفته، فيذهب ليشتري علبة سمك لها، ويطعمها، وبعد استشهاده، ظلت تأتي غرفته مدة طويلة ثم رحلت".

"حلاوة الروح"

"يوم استشهاده رأيته يركض متعجلًا؛ ودع الجميع دون أن يدري (...) ويوم نشر صورته على قناة الجزيرة، وصلتنا اتصالات من المحبين لا حصر لها، حقًّا افتخرت بك يا أبي" الصوت هنا قادم من ابنته هناء.

هنا كانت أجمل ذكرياتها مع والدها: "الشيء الذي لا ينسى مرافقته لي لإيصالي إلى المدرسة، في الطريق يعطيني نصائح، فقد كنت أشابهه في الصفات، لا أنسى كلماته لي: "اعرفي مين تصاحبي"، ويوم استشهاده كرمتني المدرسة على المنصة افتخارًا ببطولاته".

لم تخلُ الحياة من المزاح بين البنت ووالدها، يومًا عاتبته على غيابه عن المنزل، انتزعت ابتسامة من صوتها: "كنا نمازحه، وأحكيله: "روح يلِّي متزوج"، فكان يتقبل ذلك ضاحكًا".

لم تعد هناء ترى البحر جميلًا كما كان حينما تذهب مع والدها كل جمعة موعدًا مقدسًا بينهما، الآن لا ترى سوى صورته منعكسة على تلك المياه المتلألئة مع انعكاس أشعة الشمس عليها، يتلاشى المشهد وتبقى صورة والدها في كل مرة تلمع، تشتم رائحة الشوق من صوت الأمواج، التي تذكرها بصوت والدها.

نجله معتصم (30 عامًا) يلخص بعض الشيء مسيرة والده في درب المقاومة التي تحتاج إلى مجلدات حتى توفيه حقه: "لي الفخر أن أبي رجل الهندسة والإعداد، كان قائدًا عسكريًّا بكتائب الشهيد عز الدين القسام، انضم للمقاومة وكان من الرعيل الأول، ورغم مواقعه الكبيرة في صفوف المقاومة كان شديد التواضع بين الناس ويقول لهم: (إني مثلي مثلكم وأقل منكم)".

ترك أبو المعتصم ذكريات جميلة مع جيرانه، فدائمًا يسبق الجميع بمساعدتهم، حتى لحظاته الأخيرة، معتصم ينبش في التفاصيل: "قبل استشهاده بأقل من ساعة، حينما غادر المنزل على عجل، ورأى مياه الصرف الصحي قد خرجت للسطح عند بيت جيراننا، اتصل بالبلدية، وأوصاني بالوقوف معهم، وكان له فضل كبير في بناء مسجد الفاروق بمخيم الشابورة".

مواقف جهادية

ومن المواقف المشهودة له، في سيرته المنشورة على الموقع الإلكتروني لـ"القسام"، "إصابته عام ٢٠٠٦م، في أثناء تدريبه مجموعة من المجاهدين على رماية القنابل اليدوية، إذ سقطت إحدى القنابل بالخطأ قرب المجاهدين، فما كان منه إلا أن ضحى بنفسه وأسرع نحوها لقذفها بعيدًا، من أجل إنقاذ بقية المجاهدين، فانفجرت بالقرب منه.

قدم الشهيد بعمله هذا الذي مكث بسببه عامين على سرير التعافي نموذجًا في البطولة والتضحية والفداء والخوف على إخوانه، وقتها أبهرت جرأته الجميع، وسجل هذا الفعل في تاريخ سجله البطولي.

وما إن تعافى من إصابته حتى استأنف عمله في وسط مخاطر المتفجرات، إذ واصل الصناعة والتطوير في الأعمال الهندسية، ولعل عمله في التصنيع العسكري دفع الاحتلال لتنفيذ محاولات عدة لاغتياله، لكنها باءت جميعها بالفشل.

"حينما يكشف الستار عن بعض المهام التي شارك فيها، ستعلمون أن هذا الرجل خلف كل انفجار دكّ جيش الاحتلال، وخلف كل بارود ونار" هذا ما كشف عنه، ولكن "ما خفي أعظم"؛ فما زال الكثير مغلفًا في صندوق أسرار المقاومة.