حنين.. حكيمة تؤجل "فرحة العمر" لتواجه كورونا من "نقطة صفر"

...
غزة- مريم الشوبكي:

28 آب (أغسطس)، أشارت عقارب الساعة إلى 12:30 ظهرًا، فجأة قطع الصمت دوي صوت الإسعافات المحملة بمصابي فيروس "كورونا" (كوفيد-19)، نزلت الحكيمة حنين أبو بكرة بسرعة إلى مدخل مستشفى غزة الأوروبي.

ما إن فتحت الإسعافات أبوابها حتى أخذت حنين تتفحص وجوه المصابين ما بين نظرات حائرة تخشى المجهول، ودموع، وآخرين كان الخوف يتملك أجسادهم.

من المفترض أن حنين (29 عامًا) التي تقطن في مدينة خان يونس وتعمل في المستشفى ذاته كانت ستزف عروسًا في 10 أيلول (سبتمبر) الجاري، ولكنها أجلت مؤقتًا حلم فرحة عمرها، فيوم استدعائها لتكون في المجموعة الأولى التي ستتعامل مع مرضى "كورونا" كان هو اليوم المحدد أن تختار الفستان الأبيض وتضع الرتوش الأخيرة على إتمام حفلة زفافها.

قبل خروج المصابين من الإسعافات أخذت تسألهم عن أسمائهم وأعمارهم وتاريخهم المرضي، وتدون البيانات بمساعدة طبيب آخر؛ فكانت الأعداد كبيرة في أول يوم.

ثم رافقتهم حنين إلى قسم الوبائيات لتفرزهم حسب حالتهم الصحية، في هذه الأثناء لا تنسى مشهد المصابة التي كانت تحتضن مصحفًا كبيرًا ومعالم الخوف تسيطر عليها كأنها تخشى على نفسها الموت.

أما المشهد الأقسى فترويه حنين لصحيفة "فلسطين": "كان هناك زوجان مسنان في السبعينات من العمر، يتكئ كلٌّ منهما على الآخر يتجهان نحو الغرفة ظنًّا أنهما سيحجران معًا، اعتذرت لهما وأخبرتهما بأن هناك فصلًا بين النساء والرجال، كلٌّ في قسم منفصل".

كأن الصاعقة نزلت عليهما، تضيف: "وقف كل منهما على باب القسم يتبادلان النظرات والدموع تخنق ما تبقى من كلام، يوصي كل منهما الآخر يخشى على مصيره دون أن يكون بالقرب منه، أمام هذا المشهد لم أتمالك نفسي وذرفت الدموع خلف قناعي البلاستيكي".

في صباح اليوم ذاته حينما وصل الطاقم الطبي والخدماتي والإداري المكون من 12 فردًا للمستشفى، استقبلت إدارة المستشفى المجموعة رقم واحد استقبال الأبطال.

خضعت المجموعة لـ"بروفا" لكيفية استقبال حالات (كوفيد-19) والتعامل معها، قبل وصول المرضى المصابين فعلًا بالفيروس، تبين حنين أن هذا الأمر خفف من حدة الصدمة لديها، وجعلها مستعدة من الناحيتين النفسية والعقلية.

وقبل أن تطأ قدماها أرض المستشفى وهي تستقل الحافلة متجهة بها إلى هناك في الساعة السابعة صباحًا في اليوم ذاته، دارت كثير من الأسئلة في عقلها كيف سيستقبل المستشفى مرضى ليسوا كأي مرضى؟!، كيف ستتعامل معهم نفسيًّا وطبيًّا؟، كيف ستحافظ على نفسها وتحمي المرضى، لكي تستمر ويستمر زملاؤها في العمل؟

"خلية نحل"

كانت المجموعة الأولى تعمل كخلية نحل، لتفادي حدوث تزاحم بين المصابين، ولكي يوفروا لهم سبل الرحلة بعد رحلة مجهدة في جو حار جدًّا، تركيزهم كان ينصب على مرضى السرطان والقلب والفشل الكلوي والكبد وغيرهم ممن يعانون أمراضًا مزمنة حتى يخففوا عنهم ما أصابهم.

ودعت حنين أهلها الذين كانوا سندًا ومحفزًا لها على أداء واجبها الإنساني، وهم يلهجون بالدعاء أن يحفظها الله وزملاءها من العدوى.

تقول: "14 يومًا في الحجر لم أرَ أهلي، فكان جميع المرضى هم عائلتي التي ابتعدت عنها، وكنت لهم ابنة بدلًا من أبنائهم الذين حال المرض دون رؤيتهم، كنا عائلة واحدة في أزمة لم تمر علينا أقسى منها من قبل، كنت أحرص على تقديم الدعم النفسي لهم بجانب الخدمات التمريضية".

في أيام الحجر الصحي الأولى كانت تمضي نحو 18 ساعة عمل، كان الأمر شاقًّا عليها جدًّا مع صيف حار ملتهب وطبقات من اللباس النايلون والقناع البلاستيكي، حرارة جسمها ترتفع والعرق ينهمر بغزارة، لكنها لا يمكنها خلعه إلا بعد انتهاء ساعات عملها.

حتى تكمل لباسها الوقائي بالكامل تمر بعدة غرف منذ لحظة خروجها من غرفتها في السكن بالطبقة الأولى، ثم تلبس طبقة تلو الأخرى في كل غرفة حتى تصل إلى غرفة المرضى بعد ساعة إلا ثلث وهي ترتدي كامل اللباس.

ولكن الأصعب من ارتداء اللباس الواقي هو خلعه، تصف هذه اللحظة قائلة: "الأمر ليس بتلك السهولة، فإزالة اللباس دائمًا أسهل من ارتدائه، ولكن الأمر مختلف لدي لأن خلعه له شروط وطريقة معينة أساسها الحرص الشديد".

والأكثر إيلامًا لحنين هي الحروق وتسلخات الجلد التي تقول إن ارتداء الزي ساعات طويلة يسببها، ويتضاعف الألم عند احتكاك الزي بالجسم، مؤكدة أن هذا الأمر لم يضعفها، ولم يؤخرها عن خدمة أي مريض.

وحنين هي طالبة ماجستير عناية مركزة، رغم مشقة العمل وساعاته الطوال، كانت تواصل متابعة محاضراتها عن بعد، وتذاكر دروسها أولًا بأول، لم تجعل عبء العمل يؤخرها عن إنجاز دراستها العليا.

وضعت الأيام الـ14 في الحجر أوزارها، وانتهت مهمة أول فريق يتعامل مع مرضى "كورونا"، خرجوا منها بتجربة عظيمة، نقلتها أبو بكرة لزملائها الذين سيكون عليهم بعدها مشوار الأيام ذاتها؛ فالتجربة الواقعية تختلف تمامًا عما تدربوا عليه خلال الأشهر الماضية.

تلفت إلى أن المجموعة الأولى بأفرادها الـ200 أثبتت للعالم بأسره أنهم يعملون في مكافحة الفيروس بحرفية عالية، فلم تسجل إلا إصابة عدوى واحدة فقط بينهم، عكس ما حدث في العالم من إصابات مئات الأطباء والممرضين.

رغم الحصار وقلة الإمكانات، وما يسببه من أزمات مالية، تمكنت حنين من حماية نفسها وزملائها من عدوى "كورونا" رغم احتكاكهم بالمرضى من نقطة صفر، مؤكدة أن الإنسانية لا تتوقف أمام تلك المعيقات.