طفلتها الرضيعة "أجبرتها" على البكاء

مي الدعالسة.. ممرضة أصابها "كورونا" وأتعبها الرقم "48"

...
غزة - يحيى اليعقوبي

48 ساعة مرت منذ أن أخذ منها مسحة عينة لفحص إصابتها بفيروس "كورونا" من عدمها؛ مرت الساعات بطيئة أكثر مما يجب، وثقيلة، تخشى أن تكون النتيجة "موجبة" أو تكون قد نقلت العدوى لأطفالها الصغار، الذين خالطتهم قبل ذهابها لدوامها المعتاد بالمستشفى "الإندونيسي" شمال قطاع غزة.

بينما هي غارقة في تفكيرها؛ لم تنم إلا قليلًا، أخرجها اتصال هاتفي من مدير التمريض بالمشفى من شرودها وتساؤلاتها: "مي؛ بدنا إياك تكوني قوية وصابرة ومعنوياتك عالية"، بدأت دموعها تنساب على وجنتيها، قبل أن يضع نقطة النهاية: "يا للأسف!؛ النتيجة كانت موجبة".

مي الدعالسة ممرضة تعمل بالمستشفى الإندونيسي على بند التشغيل المؤقت مدة ستة أشهر، أصيبت بفيروس كورونا في شهرها قبل الأخير لعملها، بعدما انتقلت إليها العدوى من تعاملها ومخالطتها مريضة مصابة بفيروس كورونا في آب (أغسطس) الماضي.

أعراض وإصابة

"من اللحظة الأولى التي أعلن فيها ظهور فيروس كورونا داخل المجتمع في غزة صرت أشعر بالقلق على نفسي وعلى عائلتي لأني خالطتهم جيدًا، بدأت الأعراض بالصداع ثم الحرارة وهزال وتعب جسم شديد ودوار وفقدان حاسة الشم والتذوق"، ما بين إعلان الإصابات وإجراء مسحة العينة عاشت مي أصعب لحظات حياتها.

كيف استقبلت خبر الإصابة؟، ترد: "منذ أن سمعت الخبر صعقت، فصحيح أني شعرت أني مصابة، ولكن كنت أكذب نفسي خوفًا من الابتعاد عن أطفالي، وخوفًا من أن أنقل لهم العدوى ... هنا بدأت تجهيز أغراضي وحجر نفسي بعيدًا عن أطفالي بغرفة منعزلة والبكاء لا يفارقني".

مرت ثلاث ساعات أخرى، لأول مرة لا تستطيع الاقتراب من أطفالها، أو لمسهم، لا يفهم أطفالها الصغار ما يحصل في البيت، مشهد لم يمر مرور الكرام على قلب مي، ليخبرها مدير المستشفى في اتصال هاتفي أن "عليها حجر نفسها بعيدًا عن أطفالها حتى الصباح".

"الأمر كان صعبًا علي، لم أنم سوى ربع ساعة، إلى أن جاءت الطواقم قبل الثانية فجرًا"، ما زالت تروي المشهد الصعب: "صعدت إلى سيارة الإسعاف التي كانت ترافقها سيارتان للشرطة، وكان فيها طفل سنه 11 عامًا ورجل أربعيني مصابان بالفيروس، ونقلتني سيارة الإسعاف إلى المستشفى الإندونيسي، ومكثت ليلة كاملة مع زميلاتي المصابات بالفيروس".

مشهد مختلف

ورغم شعورها بالغصة، السابقة لمشهد خروجها من المنزل، وكلٌّ يخشى الاقتراب منها، مع أنها تفهمت خوف الجميع خشية إصابتهم بفيروس كورونا، كان مشهد خروجها وخروج زميلاتها من المشفى الإندونيسي للحجر والعلاج بمستشفى الصداقة التركي الفلسطيني مختلفًا تمامًا: "خرجنا وسط تصفيق وترحيب من الطواقم الطبية ومدير التمريض بالمشفى، وهذا ما رفع معنوياتنا".

توزعت الطواقم الطبية المصابة كلٌّ في غرفته بمستشفى الصداقة، لكن خوف مي ظل مشتعلًا بداخلها، فعليها أيضًا الانتظار 48 ساعة حتى تظهر نتيجة فحص زوجها وأطفالها الصغار: "كانت اللحظات صعبة، ظهرت نتيجة زوجي وابني فادي (أربع سنوات) سلبية (غير مصابين)، فحمدت الله واطمأن قلبي، لكن بقيت نتيجة طفلتي جوان، وجوري".

"صار عندي اكتئاب من شدة التفكير والتوتر وانهارت أعصابي"، وهذا ليس غريبًا، فقد طلب منها الانتظار 48 ساعة أخرى، حتى تظهر نتيجة طفلتيها، لكن مرت تلك المدة بكل ما حملته من قسوة الانتظار، ومرارة الترقب، وكانت النتيجة صعبة: "اتصل بي شقيق زوجي، وأخبرني أن طفلتي الرضيعة "جوري" التي لم تتجاوز العام مصابة بالفيروس (...) أجهشت بالبكاء فكنت خائفة عليها".

طفلة صغيرة، نقلت في سيارة إسعاف وحيدة، مشهد راعى الالتزام بمعايير الوقاية من نقل العدوى، لكنه كان صعبًا على أم خائفة على طفلتها، لم تأكل أو تشرب حتى رأتها بين أحضانها: "وصلت إلي بعد 24 ساعة، وما إن رأتني جوري حتى عرفتني وبكت وبكيت معها، شعرت أنها غائبة عني مدة طويلة، أول مرة يفرقنا الفيروس هكذا".