بعد 27 سنة.. "أوسلو" يفشل في ثني اللاجئ "عبد العال" عن العودة

...
برلين-غزة/ سجى حمدان:

"جيل الشباب اليوم أقوى بكثير مما كان عليه الآباء والأجداد، ذلك أنهم شبّوا بين بؤس المخيمات واللجوء، وكانت الغربة منغّصًا إضافيًّا يزيد من مرارة العيش، فهذه القضية غرسٌ خالدٌ يضرب بجذوره في أعماق عقولهم وقلوبهم".

يتحدث المسن محمد عبد العال مع صحيفة "فلسطين" وقد ركضت أيام العمر على وجهه تنقش مسيرة 66 سنة بمقياس الشقاء، بعدما رست به مراكب اللجوء قبل نحو ثلاثة عقود إلى ألمانيا، فأمست العودة إلى قريته "سعسع" شمال شرق مدينة صفد جزءًا من الأمل الفلسطيني الممتد.

يُرخي عبد العال أحبال الذاكرة عائدةً إلى مخيم نهر البارد شمال لبنان، وتنتهي به لاجئًا في ألمانيا، غير أن ذاكرة الوطن لديه لا تبدأ منذ لحظة ولادته، وإنما تمتدُّ قبل ذلك بسبع سنوات حين ارتكب العصابات الصهيونية جريمة التهجير القسري ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض، ومنهم أهل قريته "سعسع" إلى بلدة "رميش" في أقصى الجنوب اللبناني سنة 1948م، لتستمر رحلة اللجوء إلى قرية "قرعون" ثم بلدة "عنجر"، ومن هناك أخذتهم سيارات الجيش اللبناني إلى شمال لبنان حيث مخيمي "البداوي" و"نهر البارد".

يقول عبد العال: "طبعًا أنا ما كنت خلقان (مولود)، أهلي حكولي هاد الكلام" على عادة اللاجئين الفلسطينيين الذين تتصل ذاكرتهم بذاكرة الآباء والأجداد كأنها صفحةٌ واحدة.

"يومين وراجعين"

كما جرت العادة في قصص اللجوء؛ أضحت جملة "يومين وراجعين" ركنًا أساسيًّا لا ينفك عن فصول الرواية الفلسطينية، وإن اختلفت الأسماء والقرى والقصص، فعوَّل أهل القرية على المنطلق نفسه.

يوضح عبد العال بصوته الذي كأنما ارتعش وتلاشى: "خرجوا دون أن يأخذوا قطعتي ثياب، ذلك أنَّ جيش الإنقاذ الذي شكلته جامعة الدول العربية لمساعدة الفلسطينيين ضد الصهاينة قال لهم: اخرجوا يومين فقط ريثما يهدأ الوضع"، وما علموا أن اليومين بلغة جيش الإنقاذ تُعادل أجلًا غير معلوم، فتكون عائلة عبد العال ضمن 800 ألف لاجئ فلسطيني هجرتهم العصابات الصهيونية سنة 1948م من مدنهم وقراهم؛ وفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

أطلق عبد العال صرخة حياته الأولى سنة 1954م بمخيم نهر البارد ليدرك تدريجًا أنه لاجئٌ من وطنٍ محتل إلى بؤس المخيم وفقره محطة مؤقتة لكن لأجل غير معلوم، فالتحق بمدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" بالمخيم حتى وصل الصف التاسع، وانتقل بعدها إلى مدرسة مهنية لتعلم "اللحام بالأكسجين والكهرباء".

لا يغيب عن خاطر عبد العال شظف العيش وما يصفها بـ"المساعدات الشحيحة" التي كانت تقدمها الوكالة مع منع الفلسطيني من العمل، فضلًا عن بيوت الخيام التي عاشوا فيها بالمخيم قبل أن تبني لهم الوكالة بيوت "الأسبست" التي تسببت لكثير منهم بالسرطانات بعد ذلك؛ وفق قوله.

"غرباء"

ما كان لبنان يومًا وطنًا بديلًا للفلسطينيين، وما زاد شعورهم عن كونهم ضيوفًا أو "غرباء" كما يصف عبد العال، فلم يغب عنهم حلم النضال والتحرير طيلة وجودهم في المخيم، "كنا مستعدين لدفع أرواحنا ثمنًا" يتحدث وقد مثل أمام ناظريه حماسة المقاتلين حينها.

ولكونه يتحدث بصيغة الماضي كان السؤال يطرح نفسه: هل الأمل قد تلاشى لديه أو سكن الحماس؟، فاندفع قائلًا: "صحيح أن الوضع قد تغير، لكن أمل التحرير لا يضعف إلا عند الأنفس المنهزمة، فالأجيال القادمة تنادي بفلسطين أكثر مما فعلنا".

لأن سبل الحياة ضاقت بعبد العال واستحال العيش، توجه سنة 1989م إلى ألمانيا التي لم تمنحه حق اللجوء إلا بعد ثلاث سنوات، لحقته زوجته بعدها بسنتين إلى ألمانيا مع أولاده بعدما أمسك الغياب بتلابيب قلوبهم طيلة خمس سنوات.

كانت زيارة عبد العال إلى مخيم نهر البارد للمرة الأولى في 2008م، بعدما غاب عنه ما يقارب 19 سنة لم يستطع خلالها دخول لبنان ولا زيارة أهله بالمخيم، ليرى آثار الدمار، وقد طفت تعاسة الحياة وبؤسها على ملامح الناس، "خيمت ظروف الحياة الصعبة على أهل المخيم، فكان الركام في كل ناحية، ولا توجد فرص عمل، ولكن هذا لم يشوش نظرتهم إلى القضية، فلا يتوانوا عن إقامة المهرجانات، والمشاركة في المسيرات لنصرة ما يؤمنون به" يصف عبد العال حال الشباب الذين يزداد بؤسهم وعناؤهم كل سنة أكثر من التي قبلها.

قضى عبد العال أعوامًا طويلة مغتربًا في ألمانيا، لكن لا يمرّ عليه يوم دون أن يتذكر القضية الفلسطينية والنضال في سبيلها، وغرس ذلك في أولاده وحدثهم عن تفاصيل فلسطين التي رآها بعين قلبه ولم يلمس ترابها حقيقةً بسبب النكبة، وكلما ذهب إلى زيارة المخيم عرّجَ على المناطق التي خدم وحارب فيها، فيشعر بذكريات النضال "تردُّ له الروح" وتعيده إلى "أيام الشباب"، على حد قوله.

ومضى 27 سنة على اتفاق أوسلو الذي وقعته منظمة التحرير مع الاحتلال، وتحل ذكراه في 13 أيلول (سبتمبر) سنويًّا، لكن هذا الاتفاق فشل فشلًا ذريعًا في إنهاء حلم اللاجئ عبد العال بالعودة إلى دياره.

"أوسلو هي خطأ من الأساس (...) وإن أعطوني فلسطين كلها دون قريتي فلن أرضى!" بهذه الكلمات يؤكد تشبثه بكل ذرة تراب من وطنه.