يكشف لـ"فلسطين" تفاصيل لم يبح بها من قبل

المحرر "سعد اليازجي " .. "راصد" لم تعصَ عليه "نتساريم"

...
غزة - يحيى اليعقوبي

السماء تتكحل باللون الأسود؛ الصمت يلقي بأوتاده على منطقة المغراقة القريبة من مستوطنة "نتساريم" الساعة الثانية فجرًا ( 25 آب (أغسطس) 2004م)؛ قبل أن تقترب أصوات دبابات من منزل اليازجي وجيرانهم لينهي صوتها هذه الهدوء؛ حاصرت القوات المدججة المكان، وطوقته من جميع الاتجاهات، اصطفت ثلاث دبابات ومركبتان عسكريتان وعشرات الجنود، بحثًا عن هدفهم المطلوب، وهو الشاب سعد اليازجي، إلى أن خرج لهم.

ينظر الضابط متعجبًا إلى الشاب الذي لم يتجاوز 20 عامًا، نحيل البنية والجسم، يمرر نظره من رأسه حتى قدمه مستخفًّا به: "إنت اللي إحنا بنبحث عنك بكل القوة هادي؟!".

من النقطة "صفر"

من منزله الذي يبعد عن الشارع المؤدي إلى المستوطنة 70 مترًا، ونحو كيلومتر عن المستوطنة ذاتها، عمل سعد في صفوف المقاومة، وكانت مهمته رصد تحركات جنود وآليات الاحتلال ومواعيد القدوم والمغادرة، وصل إلى نقاط الصفر، وفي مرة استطاع تصوير الموقع نفسه من الداخل، إلى أن لاحقته أعين عملاء.

بعدما اقتاده الاحتلال إلى مستوطنة "نتساريم" ثم إلى "أسدود"، من داخل التحقيق يبرز ضابط الاحتلال أسنانه منتشيًا بمثوله أمامه:

- البيت خلص انهد واتريحنا منه؛ وبطلتم من سكان المغراقة.

- لا كيف بطلنا؟!، اللي بناه بالأول ببنيه تاني مرة.

بعد 15 عامًا على دحر الاحتلال عن غزة، ينبش الأسير المحرر سعد اليازجي لصحيفة "فلسطين" تفاصيل تلك الذكرى الأليمة في حياته: "مكثت في السجن سبع سنوات، كان الاحتلال يرسل "العصافير" لالتقاط المعلومات من الأسير الجديد ويمثلون دور قادة التنظيم".

"المقاومة في ذلك الوقت قبل 15 عامًا كانت تمتلك أدوات بسيطة، من بعض الأسلحة والذخائر، لكنها استطاعت تطوير عملها فبدأت بالحجارة والقنبلة والسكين، والكلاشنكوف، حتى الصاروخ "البدائي"، وكانت بهمتها الموجودة في الميدان قادرة على تحرير المستوطنات إلى أن جاء اليوم الذي دحرت فيه الاحتلال عن أرض غزة" هذه نظرة اليازجي إلى إمكانات المقاومة التي كان فردًا فيها قبل الأسر وبعده.

مشاهد المعاناة

كان من أشكال المعاناة، التي راكمت القهر في داخل اليازجي، هذا المشهد: "نحن سكان المغراقة كان لا يفصلنا عن حي "الزيتون" الواقع جنوب شرق مدينة غزة، سوى شارع مستوطنة "نتساريم"، لكن نتيجة منع الاحتلال لنا كنا نلتف من طريق البحر حتى نصل إلى الزيتون، وهذه سبب معاناة شديدة، وكان يضع الغصة والألم في صدر الإنسان الفلسطيني في تلك اللحظة أنه كان باستطاعته التنقل لولا هذه الجرثومة".

في عمله المقاوم "راصدًا"، أدى اليازجي مهام صعبة، يخرج إحداها من جعبة ذكرياته البطولية: "تقدمنا ثلاثة أشخاص نحو المستوطنة، رافقني في هذه المهمة الشهيدان أسعد جودة ومحمد مطر، ووصلنا إلى نقطة الصفر، وكان يفصلنا فقط عشرين مترًا أو أقل عن البرج العسكري بداخل المستوطنة، لكن لاحظتنا الثكنة العسكرية، وانهالوا علينا بإطلاق النار، فانفعلت بين الضحك والخوف معاتبًا محمد: "فضحتنا بطولك، كشفتنا"، فكان طويل القامة، لكننا استطعنا الانسحاب بسلام، إلا أنهما استشهدا لاحقًا بعدما أسرت".

لا ينسى إعجاب مسؤول المهمة بهم: "استغرب كيف وصلنا للمكان دون أن نحمل أي وسيلة قتال وعدنا سالمين".

يعود إلى الأسر لكن هذه المرة من شريط الذكرى: "أذكر الأسير علاء أبو الرب، وكان مريضًا، حينما كنا نطلب له العلاج، كان ذلك بصعوبة، وكيف يكون عندك إنسان بالمكان نفسه مريض، وأنت لا تستطيع أن تقدم له العلاج؟!، إذ كنت معه في زنزانة واحدة وهو يتألم، فلديه كلية واحدة، كنت لا أستطيع فعل شيء له، سوى المناداة المتواصلة على الجنود، أو قرع الباب دون استجابة"، وهذا الموقف جعله يستمر في طريق المقاومة بعد تحرره.

"أما الأسير معتصم رداد وهو أسير مريض بالسرطان؛ فذات يوم وكنت بعيادة سجن الرملة، مرت ممرضة إسرائيلية لفحصه، وهو يتألم فقالت: "ما دامك بتتنفس فإنت عايش وما بتحتاج لعلاج" أيقن حينها اليازجي أن الإنسان الفلسطيني أيًّا كانت سنه، ومهما ضعفت حالته الصحية؛ فإنه يشكل خطرًا عليهم.

في 17 أيار (مايو) 2011م تنفس اليازجي الحرية، وخرج من الأسر ليرى الدنيا في الخارج تغيرت ولم يعد للاحتلال أي أثر، لكنه شاهد آثار عدوان الاحتلال على غزة سنة 2008م، هدم بيته جزئيًّا خلال اعتقاله، وكذلك في 2008م، وهدم كليًّا سنة 2014م ولم يبنِ حتى الآن، طرق الـ37 من عمره ورزق ثلاثة أولاد وبنتًا لكنه لم يترك الطريق الذي بدأه: "الإنسان الفلسطيني عارف مين عدوه، ويجب عليه الاستمرار في هذا النهج".

كانت تنهيدته هنا مختلفة ممزوجة بالحنين: "لدي الكثير من الذكريات، ذكريات الحنين إلى الشهداء، ذكريات مع شدة المعاناة والآلام التي كنا نعانيها ويعانيها أبناء شعبنا، إلا أنه كان هناك أمل في التحرير وأن قدر الله غالب (...) أستذكر هنا الشهداء: خالد الزق، وحازم ارحيم، ومحمد أبو نعمة، وأسعد جودة، ومحمد مطر، وعمار شاهين، ورائد أبو فنونة، وشادي مهنا، وناهض كتكت، وآخرين ممن رسموا حبهم على هذه الأرض وعشقوا التراب حتى التحرير، وكانت وصاياهم التي كتبت بالدم على هذه الأرض لندافع من أجلها".