حرب الأنفاق ونيران وحدة مكافحة الإرهاب

نجاح المقاومة الفلسطينية في إدخال سلاح الأنفاق إلى ميدان المواجهة مع العدو الإسرائيلي شكّل تطورًا ملحوظًا، وتغيّرًا إستراتيجيًا في رفع مستوى القدرة على تنفيذ عمليات نوعية تصل لعمق الأهداف الصهيونية، وأظهر هشاشة احتياطات العدو الأمنية، وأثار الرعب في الأوساط الصهيونية، وخلق تحدّيًا جديدًا أصبح من الصعب مواجهته، فالمقاومة بذلك تخطت العوائق الأرضية، وخدعت كل أنظمة المراقبة والمتابعة، وهي تسير في باطن الأرض، وحقَّقت عنصر المباغتة والمفاجأة المميتة.

ففي السابع والعشرين من يونيو/ حزيران من عام 2004، قررت قيادة كتائب القسام تلقين العدو درسًا قاسيًا في منطقة خان يونس جنوب القطاع، وأعطت الإشارة لوحدة خاصة تابعة لها أطلق عليها (وحدة مكافحة الإرهاب)، وذلك لإنهاء معاناة شعبنا وأهلنا في تلك المنطقة، بعد أن تسبب ما يسمى بـ(حاجز أبو هولي) الشهير بموقع محفوظة، في فصل جنوب القطاع عن وسطه وشماله، ومارس شتى وسائل الإذلال، والإرهاب، التي وصلت لذروتها عبر الإعدامات والتصفية الجسدية قرب الحاجز.

ليتسلل أبطال الكتائب عبر نفق أرضي قارب الـ495 مترًا، كان أعدّ لهذا الغرض بعد فترة طويلة من الحفر والإعداد، وفي تمام الساعة 9:43 من مساء ذلك التاريخ من يوم الأحد، فجر رجال الكتائب الموقع ليصبح أثرًا بعد عين مخلّفًا عشرات الجنود بين قتيل وجريح، فكان وقع العملية بالغًا لدى قيادة الجيش والمستوى السياسي، فالعدو وبالرغم من التحصينات المتواصلة والتوغل المستمر في المنطقة وانتشار العملاء لم يستطع التنبؤ بوقوع العملية، ويبدو أنّ هذه الوحدة مارست أساليب مختلفة لخداع العدو وعملائه، واستطاعت إدخال المعدات والأجهزة والمواد المتفجرة والمقاتلين ضمن احتياطات أمنية معقدة.

الأمر الذي جعل العدو يستشعر حجم الخطر ويعجل في تنفيذ خطواته نحو الهروب من غزة، فالعملية وفق تقديرات الجيش كانت خطيرة للغاية، ونستذكر حديث أحد الضباط في تلك المنطقة حينما صرّح للإذاعة العبرية أنه كادت أن تقع كارثة، وكان من المفترض أن يتواجد في القاعة التي استهدفها الانفجار ما يقارب (53) جنديًا إلا أن التعليمات تغيرت في اللحظات الأخيرة.

وكانت وحدة مكافحة الإرهاب قد وضعت خارطة متكاملة شملت تفجير مواقع وثكنات العدو على مستوى القطاع وبدأت فعليًا عملها ضمن توجيهات القائد العام، والذي قرّر التخلص من الإرهاب الصهيوني ودفع العدو إلى الاندحار في أسرع وقت حتى ينعم شعبنا بالهدوء والاستقرار بعيدًا عن جرائم وإرهاب العدو.

هذه العملية كان قد سبقها عمليات أخرى أكثر قوة في محافظة رفح في المنطقة الحدودية بين رفح والحدود المصرية، حين وضعت الكتائب أحد المواقع العسكرية ضمن أهدافها بعد أن تسبب بمعاناة بالغة لأهلنا في رفح، وقام بتصفية العديد من الأبرياء، وأصبح عنوانًا للموت ومنبرًا لنشر الخوف والإرهاب، حيث استطاعت هذه الوحدة الوصول إلى أسفل الموقع، وهو برج مراقبة شديد التحصين ويحتل مكانًا استراتيجيًّا ومجهزًا بالرشاشات الثقيلة، وقد أطلق عليه موقع (حردون)، وزرعت في أسفله ومحيطه أطنانًا من المتفجرات وفجرته في 17/12/ 2003 من خلال نفق أرضي قارب نحو 150 مترا، أصيب قادة العدو على إثره بخيبة أمل وصدمة كبيرة لعدم اكتشاف النفق ولحجم الدمار المروع إضافة إلى الإصابات في صفوف العدو.

كان ذلك مقتطفًا من جهود مهولة بذلتها وحدة مكافحة الإرهاب القسامية التي بقي سرها وسر أعضائها في صندوق أسود، إلا ما أفصحت عنه الكتائب عن بعض الشهداء الذين شاركوا في هذه العمليات، فيما احتفظت بالكثير من الأسرار حول تفاصيل أخرى حول عملياتها وخصوصًا أن جزءًا من أبطال العمليات ما زالوا في صفوف العمل يضطلعون بمسؤوليات مختلفة، فيما بقى خطر الأنفاق تحديًا استراتيجيًّا فشلت كل القدرات الإسرائيلية في التخلص منه، وتدرك "إسرائيل" أن المشهد تغير بعد تطور عمل الانفاق كمًا ونوعًا، الأمر الذي يربك الحسابات الإسرائيلية عند التفكير في الدخول لأي مواجهة جديدة، فالذاكرة الإسرائيلية ليست (سمكية) وهو لا زال يستذكر حرب الأنفاق التي دفعته للهروب تحت النار عام 2005، وأجبرته على إنهاء الحروب الثلاثة على غزة والتسليم بشروط المقاومة.