أحمد جعرور.. طبيب العناية المركزة يروي تفاصيل إصابته بكورونا

...
غزة- حنين مرتجى:

اتصال من قسم الطوارئ: "دكتور أحمد هناك مسنة مريضة بالربو، حالتها خطيرة بقسم الباطنة وتحتاج إلى التنفس الصناعي"، أغلق الطبيب الهاتف وتوجه مسرعًا إلى الغرفة التي ترقد بها، وفور وصوله كانت في حالة يرثى لها، تعاني نقصًا حادًّا في الأكسجين وصل إلى أقل من ٥٠٪، وضيق في التنفس.

هنا سارع الطبيب إلى تخدير المريضة، ثم أدخل أنبوب التنفس الصناعي في القصبة الهوائية بعد عدة إجراءات من طريق منظار الحنجرة، فبدأ الأكسجين يعود رويدًا رويدًا لطبيعته، وبعد عدة أيام من مكوثها في العناية المركزة توفيت دون تفسير واضح لدى الأطباء للسبب الرئيس لوفاتها.

لم يخطر في مخيلة د. أحمد جعرور أن تلك الحالة قد تكون مصابة بفيروس كورونا، فكان باله مطمئنًا إلى خلاف ذلك، وجل تفكيره إنقاذ المريضة من الموت، ولا سيما أن في تلك المدة كان قطاع غزة آمنًا ولم تسجل أي إصابة داخله، وجميع المصابين من داخل الحجر.

مخاطر جمة

"داخل قسم العناية المركزة نعمل دائمًا على الأخذ بكل إجراءات الوقاية، لكن في الحالات الطارئة كتلك الحالة لا يكون لدى الطبيب أي وقت للأخذ بتلك الإجراءات، فكل دقيقة يتأخر بها الطبيب على المريض تهدد حياته، فهنا ما بين الحياة والموت شعرة" يقول جعرور لصحيفة "فلسطين".

"وعند إجراء التنفس الصناعي للمريض المسافة بيننا وبينه تكون قريبة جدًّا، ولا تتجاوز 10 سم، ووجهنا يكون مقابلًا لوجهه، حتى الكمامة وإجراءات الوقاية قد لا تقينا تمامًا من الإصابة بكورونا، وهنا في العناية نكون عرضة لأنواع بكتيريا قد تكون أخطر من كورونا" يتابع حديثه.

جعرور (٣٧ عامًا) يعمل طبيبًا في قسم العناية المركزة منذ 12 عامًا بمجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، وهو واحد من الأطباء الذين أصيبوا بفيروس كورونا، وهم على رأس عملهم.

أعراض الفيروس

بدأ يشعر بصداع شديد يكاد يفتك برأسه، وعيناه تكادان تتفجران من شدة الألم الذي لم يسبق أن مسّه، إضافة إلى ارتفاع طفيف في الحرارة، وإرهاق بالجسم وآلام بالظهر، ظن في بادئ الأمر أنها أعراض أنفلونزا، كان ذلك قبل يومين من إعلان وزارة الصحة بغزة تسجيل أولى حالات كورونا داخل القطاع، الشهر الماضي.

كل المسكنات لم تجدِ نفعًا مع ذلك الصداع، بل كان يشتد أكثر يومًا بعد آخر، إلى درجة أنه لم يستطع النوم منه، كان لديه شك ضئيل بأنها أعراض كورونا، لكن ما كان يجعله مطمئنًا أن قطاع غزة في تلك المدة كان خاليًا من هذا الفيروس، ومع ذلك قرر اتخاذ كل إجراءات الوقاية وعدم مخالطة أي أحد من أسرته وأطفاله، وزملائه خلال العمل، إلى أنّ يعرف السبب الكامن وراء تلك الأعراض.

وعندما أعلنت وزارة الصحة بغزة تسجيل أولى حالات كورونا داخل القطاع زاد الشك والقلق لديه أنه قد يكون مصابًا بالفيروس، فقرر عمل تحليل وإجراء مسحة pcr في صباح اليوم التالي، لمعرفة سبب تلك الأعراض.

وفي اليوم التالي عند الثانية عشرة ليلًا رن هاتفه، فإذا المتصل زميل له في الطب الوقائي: "دكتور لا أعرف ماذا أقول لك، كنت أتمنى أن تكون نتيجتك عكس ذلك، لكنها -يا للأسف- إيجابية".

الطبيب جعرور: "لا تقلق، كنت متوقعًا ذلك، وأفتخر بإصابتي".

وعندما علمت عائلته وزوجته بالخبر انتابهم الخوف والقلق عليه، لكنه سرعان ما طمأنهم أنه بخير وبصحة جيدة، وأن الفيروس لا يشكل خطرًا عليه.

وفي صباح اليوم التالي بدأت إجراءات نقل الطبيب من منزله إلى مستشفى الصداقة الفلسطيني التركي، كانت كثرة الاتصالات التي انهالت عليه في أول يومين له من أجل الاطمئنان على صحته لم تجعله يشعر بالملل، وبأن تغيرًا ما طرأ على روتينه اليومي.

"نقلت إلى مستشفى العزل بطريقة لائقة، والكادر الطبي هنا يعملون على قدم وساق من أجل محاربة هذا الفيروس ومنع تفشيه، ويسعون دائمًا إلى توفير كل ما يلزمنا".

لم يكن الأمر في البداية سهلًا عليه، فروتينه اليومي بات مختلفًا عما كان معتادًا قبل إصابته، ومع مرور الوقت بدأ يتكيف مع هذا الواقع الجديد.

هنا في ذلك المستشفى يوجد الأطباء الذين يصابون بكورونا، في غرف متجاورة، وبمحاذاة غرفهم ممر طويل يقضون فيه وقتًا بالحديث ويطمئن بعضهم على صحة بعض، في نهايته باب زجاجي يفصل بينهم وبين الأطباء غير المصابين العاملين فيه، الذين يعملون ليل نهار لمواجهة هذا العدو الخفي.

وعادة عندما يحتاج أي طبيب مصاب بالفيروس لأي شيء، يتصل عبر الهاتف بالممرض، ويخبره به، ثم يجلبه الممرض له بعد ارتداء السترة التي تغطي الجسد والكمامة والقفازين من أجل تسليمه له، وكذلك المصاب يرتدي الكمامة، ويتبع باقي إجراءات السلامة عندما يتوجه لأخذ ما طلبه عبر هذا الباب الزجاجي.

وها هو الطبيب جعرور يقضي وقته داخل المستشفى، بأداء التمارين الرياضية برفقة زملائه الأطباء المصابين، والتحدث معهم داخل الممر الذي يجاور غرفهم، وأيضًا بتعقيمه المستمر لغرفته، والاطلاع على مواقع التوصل الاجتماعي، ومتابعة آخر مستجدات هذا الفيروس، وبالتواصل الدائم مع أسرته وطمأنتهم عليه، على أمل الشفاء.