ماذا لو قامت الإمارات بكل هذا؟

دعونا نطلق العنان لخيالنا الجامح فنتمثل المشهد التالي في دولة الإمارات العربية المتحدة:

يؤمن الحاكم الفعلي للدولة الشيخ محمد بن زايد بضرورة عقد اتفاق سلام مع "إسرائيل" فيقرر التوجه بخطاب تاريخي إلى شعبه يشرح له فيه وجاهة هذه الاستدارة الكبرى وفائدتها طالبا منه الوقوف إلى جانبه في قرار استراتيجي بهذه الخطورة، رغم أن البلد لم يكن يوما دولة مواجهة فهو لم يسبق أن أطلق رصاصة واحدة نحو إسرائيل، ولا هي احتلت شبرا واحدا من أرضه، على عكس ما تقوله الإمارات عن جزرها الثلاث مع إيران.

بمجرد انتهاء هذا الخطاب تتحول البلاد برمتها إلى ورشة نقاش لا تهدأ، بين مؤيد ومعارض ومتشكك ومتردد، في حالة مجتمعية عامة من التدافع بين الأفكار لإنضاج الرأي الأصوب بمشاركة الجميع لأن القرار يهم الجميع.

ينخرط الكل في حراك لا يهدأ، نرى مختلف أنواع الحوارات التلفزيونية التي لا تصادر أي رأي، لا تقصي المتحمس للاتفاق ولا المعارض ولا المتوجس، كما تشرع الصحف الإماراتية في نشر مختلف أنواع المقالات بما في ذلك صحيفة «الخليج» التي لم تكن تذكر كلمة "إسرائيل" إلا ووضعتها بين قوسين، مهما كان السياق والمعنى. يُطلق العنان هنا لكل مواقع التواصل للتفاعل فنشاهد صراع التغريدات والتدوينات دون أن يتصدر المشهد من تعوّد الناس على أنهم لا يكتبون إلا وفق «إن هو إلا وحي يوحى» ودون أن يخاف المواطن من السجن، والمقيم من الترحيل الفوري في أحسن الأحوال.


لن تقف المسألة عند حدود الإعلام بكل أصنافه بل تنتقل إلى مختلف الجمعيات والمنتديات والجامعات والمساجد فيخوض الجميع في الأمر بلا خطوط حمراء ولا برتقالية ولا غيرها. هنا تجد الإمام الذي يصرخ محذرا من «حرمة الصلح مع ناقضي العهود والمواثيق» والآخر الذي يحدثك عن «إن جنحوا للسلم فاجنح لها» وأن «جار النبي كان يهوديا» فيما يفضّل آخر النأي بنفسه عن فتن السياسة وأهلها فيستمر في الحديث عن نواقض الوضوء.

يتبادل خبراء الاقتصاد الآراء ليروا ما إذا كانت اتفاقية سلام مع "إسرائيل" يمكن أن تأتي بأية قيمة اقتصادية مضافة للبلد وأهله. ستبحث ندوات ومؤتمرات إمكانات الاستثمار والتعاون المشترك علَّ البعض يعثر عن فرص رفع معدل النمو وإحداث طفرة زراعية وصناعية غير مسبوقة، فيما سيعبّر آخرون عن مخاوفهم من أن العلاقات الاقتصادية لن تكون على الأرجح سوى في اتجاه واحد عبر صفقات عسكرية وبرامج تكنولوجية عالية الدقة، أغلبها في المجال الأمني المخابراتي الذي تتقنه "إسرائيل" وتتلهف عليه الإمارات لحسابات داخلية وخارجية وأساسا في اليمن وليبيا.

تتداعى مختلف أجهزة الدولة من عسكرية وأمنية ودبلوماسية لاجتماعات لا تتوقف لدراسة التكلفة الاستراتيجية لاتفاق سلام مع "إسرائيل"، ليس فقط في علاقة السلطة بالمواطنين والمقيمين، وإنما في مكانة الإمارات إقليميا ودوليا، خاصة وأن هناك خدمات مختلفة ستجد البلاد نفسها منخرطة في إسدائها للإسرائيليين. تبلورُ هذه الأجهزة موقفا يوازن كل العناصر في جردة حساب للخسارة والربح، بعيدا عن التخوفات أو الأماني، ليس فقط على مدى قريب أو متوسط بل على المدى البعيد بالخصوص لا سيما في علاقة البلد بمحيطه العربي والإسلامي فالخرائط لن تتبدل بعد الاتفاق.


كل هذا الحراك المجتمعي سيُتوج في النهاية بعرض الاتفاق مع "إسرائيل" على نقاش كبير داخل البرلمان التعددي المنتخب، تمهيدا لعرضه لاحقا على استفتاء شعبي سيكون هو الفيصل والحاسم في عقد الاتفاق من عدمه. سيسعى نواب الشعب إلى التعبير عن كل ما يخالجهم دون خوف أو تردد إلا من الرأي العام وناخبيهم. يشير كل نائب إلى ما يراه من محاسن أو مساوئ، فيما لا يخشى أي واحد فيهم من التساؤل الاستنكاري عن كيفية السماح للطيران الإسرائيلي برحلات من وإلى البلد ويمنع طيران بلد شقيق تربطنا به علاقات قرابة ومصاهرة لا توجد لنا مع "إسرائيل"، كما لن يتردد نائب آخر في القول لماذا لا نتصالح كذلك مع قطر فهي، على كل عيوبها، لن تكون في كل الأحوال أسوأ من "إسرائيل".

بهذا الشكل سيكون قرار الإمارات قرارا مدروسا وواعيا وشعبيا وليس من حق أي كان وقتها أن يتدخل فيه لأنه، في هذه الحالة، لن يكون نزوة مسؤول حاكم بأمره، يقرر وحده، وبناء على حسابات لا تخصه إلا هو، أن يأخذ البلد برمته إلى وجهة لم يخترها ولم يكن له فيها رأي، وفوق ذلك دون أن يكون مُعرضا للمحاسبة من أحد، تماما كما فعل الرئيس الراحل صدام حسين حين أخذ العراق العظيم إلى مصائر مظلمة لأنه هو وحده من قرر الحرب على إيران أو غزو الكويت أو غيرهما من قرارات ما زال الشعب إلى الآن يسدد فواتيرها الباهظة.

لو فعلت الإمارات ما فعلته بعد كل ما تخيلناه سابقا لحقَّ على الجميع أن يقولوا لها «مبروك»… ولكن لا شيء من ذلك حصل طبعا. هل عرفتم الآن لماذا ليس مسموحا أبدا للعرب بالديمقراطية؟؟