الصهيونية والمستوطنات الإسرائيلية

تنتشر المستوطنات الإسرائيلية انتشارا سرطانيا في قلب الضفة الغربية والقدس الشرقية. فالمستوطنات تجمعات سكانية يهودية كبيرة بنتها "إسرائيل" على أراضٍ عربية فلسطينية تم احتلالها عام 1967.

ويقطن في المستوطنات الإسرائيلية الآن أكثر من 700 ألف مواطن إسرائيلي الكثير منهم من عتاة المتعصبين والصهاينة المتعطشين للتوسع. وتمثل هذه المستوطنات امتدادا لذات الأسلوب الصهيوني الذي ارتبط بقيام دولة "اسرائيل" عام 1948 عندما طردت أهالي فلسطين ونسفت قراهم (تم تدمير 450 قرية فلسطينية) واحتلت مدنهم.

وتسيطر المستوطنات على الجبال والمرتفعات، وهي بنفس الوقت تقطع أوصال الضفة الغربية وتحيط بالمدن الأساسية وتمنع قيام دولة فلسطينية. وقد امتد الاستيطان الإسرائيلي لقلب المدينة القديمة في القدس الشرقية في مناطق قرب المسجد الأقصى وقرب كنيسة القيامة. إن التمدد الاستيطاني هو الأخطر على الهوية العربية للضفة الغربية وللقدس الشرقية.

ولقد اعتمد الاستيطان في اراضي الضفة والقدس الشرقية على مصادرة الملكيات الخاصة والأراضي التابعة للمدن والقرى الفلسطينية، أما في الخليل فالاستيطان امتد، كما هو الحال في القدس المحتلة، لقلب المدينة حيث الحرم الإبراهيمي. لقد قامت "إسرائيل" بمصادرة نصف الحرم الإبراهيمي في الخليل لصالح المستوطنين.

ويقوم أسلوب الاستيطان على السرقة الواضحة والقوة والعنف، ولا يقع الاستيطان إلا تحت حراب الجيش الإسرائيلي وجرافاته التي تبدأ الحفر والتدمير لبناء المنازل والخدمات لصالح المستوطنين. ويعتدي الاستيطان على المصادر الزراعية وعلى المياه ويحولها لخدمة زراعته وصناعاته. ويتصرف المستوطنون في فلسطين وكأنه لا يوجد صاحب أرض أمامهم. هذه العدوانية والشراسة في اعتبار اراضي الغير أراضيهم، وحقوق الغير حقوقهم، هي التي تثير غضب الشعب الفلسطيني وغضب كل من يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية.

وفق مؤتمر جنيف الرابع الموقع عام 1950 والخاص بحقوق المدنيين في زمن الحرب على الدول التي تحتل أراضي دول أخرى أن تمتنع عن تغير معالم المناطق المحتلة أو هدم منازل سكانها أو طردهم. ووفق القرار الدولي 452 الصادر عن الأمم المتحدة في تموز1979: المستوطنات في الضفة والقدس الشرقية والجولان غير قانونية. وقد اعتبرت الأمم المتحدة من خلال اللجنة الخاصة ضد التفرقة العنصرية في 2012 أن الانتهاكات الإسرائيلية ممتدة ومنتشرة لدرجة أنه يمكن تصنيفها أبارتهايد. كما أكدت في العام 2019 ذات اللجنة المكونة من 18 دولة من بينها البرازيل وبلجيكا والمانيا والصين وجنوب كوريا وجنوب افريقيا، على وجود حالة أبارتهايد في كل فلسطين بما فيها داخل أراضى 1948.

من جهة أخرى إن جميع القرارات الأمريكية كانت تعتبر المستوطنات عقبة كبيرة أمام السلام. بل وفق وزير الخارجية كيري في العام 2013 تعتبر كل المستوطنات غير شرعية. لكن منذ الانتخابات الأمريكية ومجيء الثنائي كوشنر وترامب عام 2016 تم ضرب القانون الدولي بعرض الحائط. وقد أدانت الأمم المتحدة الموقف الامريكي الجديد في عهد ترامب في نوفمبر 2019، وأكدت على موقفها بأن المستوطنات عقبة في طريق السلام. اما أمنيستي المنظمة الخاصة بحقوق الإنسان فاعتبرت المستوطنات الإسرائيلية انتهاكا فاضحا للقانون الدولي الذي يحرم التفرقة العنصرية. ووفق بتسيلم، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة: إن مجرد وجود المستوطنات انتهاك لحقوق الفلسطينيين. ومنذ 2013 أدانت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، المكونة من 45 دولة والتي يتم انتخابها دوريا، "إسرائيل" في 45 قرارا دوليا بسبب الانتهاكات المستمرة و المستوطنات التي تزداد انتشارا.

ويمثل القرار 2334 الصادر عن مجلس الامن بكامل أعضائه 2016 تحولا نوعيا. أن التصويت على ذلك القرار تم بدعم من 14 دولة هم جميع أعضاء مجلس الأمن بما فيها الدول الدائمة العضوية. لكن الولايات المتحدة في هذا القرار امتنعت عن التصويت. لقد اعتبر القرار 2334 المستوطنات في الضفة الغربية والقدس المحتلة انتهاكا صارخا للقانون الدولي، كما اعتبر أن المستوطنات لا تمتلك أي حق قانوني يسمح لها بالتواجد في الأراضي المحتلة.

ورغم معرفة "إسرائيل" بأن المستوطنات تنتهك القانون الدولي، فكل حكومة إسرائيلية منذ احتلال 1967 بنت مستوطنات جديدة. إن الخطر الأكبر الذي تمثله الصهيونية هو حاجتها لمزيد من الأرض لجلب مزيد من اليهود، بل كانت آخر أكبر الموجات اليهودية المهاجرة لـ(إسرائيل) هي تلك القادمة من روسيا في تسعينيات القرن العشرين التي وصل عددها للمليون ومائتي ألف مهاجر. ومع كل هجرة يهودية جديدة سعي لاستيطان أكبر ولسرقة مزيد من الأرض.

وفي الصحافة الإسرائيلية إعلانات دائمة عن خطط التوسع في المستوطنات. إن ثلث ميزانية "إسرائيل" الحكومية للدعم الموجه للاسكان يذهب للمستوطنات. إن فكرة أن المستوطنات ستزول من خلال المفاوضات هو ضرب من الخيال، فحتى عندما كانت السلطة الفلسطينية تفاوض "إسرائيل" منذ العام 1994 كانت المستوطنات الجديدة مستمرة بالتمدد بلا توقف، ومع كل استيطان جديد يخسر الفلاحون الفلسطينيون مداخيلهم وحياتهم وأرضهم ومنازلهم بينما تحاصر المدن بمزيد من الوجود الاستيطاني المسلح، كما ويتوج هذا النهج الإسرائيلي بحصار غزة والحروب التي تشن عليها.

الانتهاكات الاسرائيلية والمستوطنات التي تزداد انتشارا تعني استمرار "اسرائيل" كدولة عنصرية تقوم بتجميع اليهود في فلسطين بينما تسعى لتدمير قدرة الفلسطينيين على الاحتفاظ بأراضيهم وأملاكهم التي تقف في طريق الاستيطان. لقد سارت "إسرائيل" منذ زمن بعيد نحو الابارتهايد.

ومن خلال الاتفاق الإسرائيلي مع الإمارات العربية المتحدة، حاولت "إسرائيل" التهرب من العزلة الدولية والخلافات الإسرائيلية الداخلية و التحديات الحقيقية الناتجة عن حصارها لغزة واحتلالها و استيطانها للأرض الفلسطينية. لقد شكل الاتفاق مع الإمارات إبرة مسكن من النوع الذي يقدم لـ"إسرائيل" وهم اعتراف العالم العربي بعنصريتها وعدوانيتها ورجعيتها.