"انتظار قاس" عانته قبل وصول نتيجة فحص كورونا

هند أبو حمد.. حكيمة دفعت "ضريبة المهنة"

...
غزة - يحيى اليعقوبي

كانت عقارب الساعة ثقيلة في دورانها وكأنها تجر حجارة خلفها حتى طرقت الحادية عشرة مساءً، وهو الموعد الذي ستعرف فيه الحكيمة هند أبو حمد نتيجة فحص فيروس "كورونا"؛ بعدما ظهرت نتيجة عينات الفريق الطبي الأول (المشتبه بمخالطته أحد المصابين) "سلبية"، حان الموعد المنتظر لكن لم تأت النتيجة، استمرت وزملاؤها في الانتظار حتى الرابعة فجرًا، ثم السابعة صباحًا، حتى الرابعة عصرًا في اليوم التالي عندما عادت لبيتها بعد ليلة قضتها في المستشفى "الإندونيسي" لم يعرف النوم طريقه إلى عينيها، وبين تلك الساعات مسافة جديدة في قياس الانتظار المرهق.

كان ذلك يمثل لها إشارة أن النتيجة غالبًا ستكون "سلبية"، حانت الرابعة والنصف، ارتج الهاتف بيدها، بعدما رن هاتفها، أنصتت للمتصل: "زميلتنا هند، أنت ساكنة مع أهلك؟، وهل أنت متزوجة؟"، لتجيبه: "لست متزوجة، وحاليًّا عند أهلي"، صوتها يرتجف: "أمانة في إشي؟!"، الموظف يتجنب المصارحة هنا: "لا يوجد شيء؛ مجرد أخذ بيانات، أنا زيي زيك عامل مسحة".

دقائق قاسية

مرت دقيقتان، ناصيتها تتصبب عرقًا، بدأت تسرح مع نفسها بسبب الأنفلونزا التي زارتها منذ أيام، ولماذا صوتها مخنوق هكذا: "هل هي أعراض أنفلونزا عادية أم بالفعل نال مني فيروس كورونا، وأنا التي خضعت لدورات عدة لمحاربته؟!"، صوت من الخارج أخرجها من صراعها وشرودها مع تلك الاحتمالات، تسلل إليها وهو يحدث أفراد العائلة: "بحكوا هند فؤاد أبو حمد عينتها (إيجابية)"، ضربت قلبها صاعقة أنزلت دموع عينيها، مع أنها لم تتلق خبرًا رسميًّا بذلك.

بعد ١٠ دقائق؛ عاشت فيها أصعب لحظات حياتها؛ رن هاتفها مرة أخرى، وكان المتصل مسؤولًا في وزارة الصحة يعرفها: "هند؛ إنت منيحة، اتصلت الوزارة تسألني عنك، إن كنت خالطتِ أحد؟"، لم يكمل كلامه حتى سالت دموعها أكثر، كان ذلك علامة شبه مؤكدة أن النتيجة موجبة، مسحت دموعها، تريد أن يأتي من آخر السطر بلا تمهيد، فقلبها لم يعد يقوى أكثر على التهرب، تريد فقط أن تعرف الحقيقة؛ والحقيقة لا غيرها: "لكن ليش إنت اتصلت؟، في إشي؟"، الأخير تجنب الإجابة كذلك، لا يريد أن يترك هذه الذكرى بينه وبينها، على أمل أن تأتي من غيره: "اتصلت فقط أطمئن".

الخامسة والنصف؛ بعد جلسة بكاء طويلة هذه المرة سالت دموع كل أفراد العائلة؛ رن هاتفها مرة أخرى، خرج على الشاشة اسم مدير المستشفى الإندونيسي، لم تكن متوترة، فما وصلها من إشارات سابقة يكفي لإعلامها، كان المتصل واضحًا وصريحًا: "هند، يا للأسف؛ نتيجة فحص العينة لك ولأربعة من زملائك إيجابية"، كلامه "لم يقدم أو يؤخر" سوى أن أثبت المؤكد لديها.

"خليك هينا جايين ناخدك" هذه المرة كان الاتصال من "الطب الوقائي".

وقفت سيارتا إسعاف أمام باب بيتها تقلان زملاءها المصابين، ترافقهما سيارة شرطة، الجيران ينظرون من النوافذ، حملت أغراضها بنفسها، لا أحد يقترب منها، أمام المشهد لم يتمالك والدها نفسه، وأراد حمل شيء عنها، قبل أن تناشده الطواقم: "ابعد عنها، تقربش منها"، كانت أصعب لحظة في حياتها".

بصوتها المخنوق عبر الهاتف، الذي أذهبه الفيروس؛ ترحل إلى لحظة وصولها إلى مستشفى الصداقة التركي: "وصلنا الساعة التاسعة والنصف مساء، نزلنا من سيارة الإسعاف، وكان عامل التعقيم يرش من خلفنا، تسلمنا أغطية، وانهالت علي اتصالات كثيرة، ورسائل، كانت سببًا في تحسن شعوري النفسي".

"في اليوم التالي أخذت عينات لعائلتي، وانتظرنا مدة حتى ظهرت النتيجة وكانت "سلبية"؛ ارتحت كثيرًا، وهنا عددت وجودي في "الحجر" نقاهة، أتحدث مع صديقاتي، أقرأ القرآن؛ نلعب رياضة في غرفة الحجر" هكذا تأقلمت، لكن أصعب شيء عليها بعدها عن أهلها الذين لا تفارقهم إلا للعمل.

بعد أسبوعين من الحجر بدأ شعور الملل يتسلل إليها: "أنت بغرفة يوجد بها اثنان أو ثلاثة مصابين مثلك، بعيد عن أهلك، لا تستطيع الخروج إلا إلى الممر فقط، وهذا شيء يخنقني".

"ما أصابني قضاء الله وقدره، وضريبة المهنة (...) هزمت "كورونا" بالصبر والدعم النفسي، أتناول فيتامين "C"، والزنك، والعصائر، والخضراوات، والمشروبات الدافئة مثل اليانسون، والشاي، و"الغرغرة" بالماء والملح، والمحافظة على النظافة الشخصية، والتعقيم، ولبس الكمامة، والمسافة الآمنة، أيضًا ذلك يعتمد على الجهاز المناعي"، تعافت حالة هند واقتربت من الشفاء، فصوتها الذي لم يكن واضحًا قبل أسبوعين، الآن يمكنك سماعه، وإن بدا مخنوقًا.

كيف انتقل الفيروس إليها؟، لهذا قصة أخرى: "منذ خمسة أشهر توظفت حكيمة بقسم العناية المركزة بالمستشفى "الإندونيسي"، علمًا أنني تخرجت الأولى على كلية التمريض بالجامعة الإسلامية عام 2018م وعملت معيدة عامين؛ ومنذ بداية عملنا كنا نجري فحص "PCR " لكل مريض ترتفع حرارته، ويصاحب ذلك أعراض تنفسية، وكانت معظم العينات "سلبية"، حتى شهر آب (أغسطس) وقدوم مريض (توفي لاحقًا بفيروس كورونا) كان مصدر إصابتنا".

"كان لديه أعراض تنفسية والتهاب في رئتيه، مع صديد، لكنه لم يكن مسافرًا ولم يخالط مصابين، وعندما تبين وجود حالات إصابة بكورونا في القطاع أجرينا له مسحة، ظهرت إيجابية، وكنا قبلها نغفل عن ارتداء الكمامة معه، وظهرت علي أعراض "الأنفلونزا" حتى أجري لي الفحص" هكذا انتقل إليها الفيروس.