الأسيرة تسنيم القاضي.. نزع حجاب وشبح ومصير مجهول

...
غزة - يحيى اليعقوبي

شهرٌ يعادل سنةً في قاموس شوق "والدتها لها"، مغيبة عن عائلتها؛ لم يسمعوا صوتها، وأخبارها، كلا الطرفين يتجرعان مرارة "البعد"، ومنع التواصل، يزجها الاحتلال هناك خلف قضبانه بعيدة عن دفء عائلتها لا تعرف سبب اقتيادها لمكان تجهله ولماذا يفعل بها كل ذلك.

شبحها ساعات طويلة، ونزع حجابها في أثناء التحقيق، وسجنها أسبوعًا في قسم يضم نساء يشتهرن بين الأسيرات باسم "العصافير" (يعملن لمصلحة الاحتلال)، ونقلت للمشفى مريضة، متعبة، منهكة تحمل معها آثار الشبح، كل ذلك جرى مع الأسيرة تسنيم القاضي (29 عامًا) في 30 يومًا فقط.

ولا تجد أمها في المقابل من يداوي قلقها على ابنتها، فالدواء في صوت "تسنيم" .

القصة بدأت في الرابع من آب (أغسطس) الماضي في الساعة الثانية والنصف فجرًا، حينما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بيتونيا غرب رام الله، قوة اشتبكت مع الشبان، والأخرى سلكت طريقها نحو بيت عائلة "القاضي"، اقتحموا البيت كذلك، صادروا الوثائق الشخصية، احتجزوا تسنيم في غرفة نصف ساعة للتحقيق معها.

توقع القدوم

تفاصيل ما جرى تمر على والدتها "أم البراء" فتسترجع عبر سماعة الهاتف ما حدث لصحيفة "فلسطين: "كنا نعلم أنهم قد يأتون منزلنا (...) لكني كنت أستبعد ذلك وقلت لأبنائي: "مستحيل يجوا عنا"، فلم يمض على خروج ابني مصطفى من السجن سوى شهرين، وقبله بشهر خرج والده من الأسر".

في المشهد سجال بين الأم وضابط الاحتلال، تبدي استعدادها لتلبية طلبه: "إذا عشان مصطفى جايين؛ بنروح وبنجيبه"، "لا، إلها اعتقال ولمصطفى اعتقال" يرد الضابط، الأم قلقة على ابنها: "أسفل المنزل ضرب، غاز، قنابل صوت، مواجهات مع الشبان، بضمنش مصطفى لو يجي ما يطخوهش"، ثم زادت: "أمنوا الطريق بجيبو، طالما مش مأمنين، للصبح ببعتلكم إياه"، أمام إصرار الأم اعتقلت القوة تسنيم، وتركت تبليغًا لمصطفى، مهددة: "ضروري يجي تاني يوم".

تعلق: "استغربت اقتحامهم المنزل، وأنهم يريدون مصطفى، وفي النهاية اعتقلوا تسنيم".

أم البراء قلقة على ابنتها، صوتها الممزوج بالألم يخبرك بالصراعات التي تحدث داخلها: "مر شهر لم نعرف عنها أي شيء، إلا من طريق المحامي الذي تمكن من زيارتها قبل ثلاثة أيام".

حسبما علمت العائلة، "شبحت" تسنيم على كرسي التحقيق من الثامنة صباحًا كل يوم حتى صباح اليوم التالي، على الكرسي نفسه: "علمنا من المحامي أنها نقلت للمشفى؛ نتيجة آلام الظهر بسبب الشبح".

الانتهاكات لم تتوقف: "أدخلنا ملابس لها لكن الاحتلال بحجة التعقيم أخذها لغسلها، إلا أنهم أدخلوها ممزقة لابنتي، ثم نقلها الاحتلال إلى سجن "مجدو" في زنزانة فيها نساء "عصافير" وأمضت معهن أسبوعًا كاملًا، ثم أعيدت لمركز توقيف (بتاح تكفا)".

تسنيم التي تعودت ارتداء حجابها من "المرحلة الابتدائية" لن يكون الأمر هينًا عليها أن ينزع حجابها خلال التحقيق (بالعادة ينزع الاحتلال حجاب بعض الأسيرات داخل الزنازين)، وليس هينًا كذلك على أمها: "إنني أتصور كيف الأمر صعب على ابنتي، أشعر بتألمها، أن يجبرها المحقق على نزع حجابها خلال التحقيق وليس في الزنزانة، فهذا عذاب نفسي ربما مر عليها أصعب من الشبح".

تسنيم التي أنهت دراسة علم الاجتماع في جامعة "بير زيت" سافرت لدراسة الماجستير في التخصص نفسه بعدما حصلت على منحة دراسية، استمرت دراستها ثلاثة أعوام، كانت تأتي لزيارة عائلتها مدة بسيطة، قبل أن تستقر منذ بداية العام الحالي، إذا أوشكت أن تتخرج، تربط والدتها بين السفر والأسر: "علمنا أن الاعتقال بسبب سفرها، دون سند ملموس للاعتقال".

"مر الشهر كأنه عام، أفتقد ابنتي، كونها أكبر بناتي، هي مثل صديقتي" .. صوت الأم هنا يقطر بمرارة الشوق والحزن في آن واحد، بلهجة عامية: "كانت مسافرة ما صدقنا ترجعن أجو أخدوها واعتقلوا أخوها معها في يوم واحد، والآن باستعدوا لتقديم لائحة اتهام ضد بـ (ضرب حجارة)".

تستذكر مرارة الملاحقة: "نحن عائلة القاضي منذ زواجي يعتقلون زوجي (أمضى ست سنوات اعتقال متفرقة)، وإخوته، وأبناءهم منذ زمن، مستحيل مرور عام دون اعتقال أحد أفراد العائلة ".

لا يزال مصير تسنيم مجهولًا، في حين يستعد شقيقها مصطفى الذي لم يمض على خروجه شهران، إلى مدة أسر جديدة، لدى احتلال يجرم بحق العالم، وبحق قوانين حقوق الإنسان.