روى لـ"فلسطين" مشاهد "حيرته"

من الخطوط الأولى .. الطبيب" شبير" استقبل زميله المصاب بـ"ترحيب خارج المألوف"

...
غزة - يحيى اليعقوبي

"انتبه، أفرغ الممر، سيخرج المصاب من الغرفة إلى الطابق الأرضي"، "هل يوجد أحد بالممر؟"، "لا"، "افتح باب الغرفة"، يخاطب الطبيب المريض: "الآن تقدم، لا تخف، ادخل إلى المصعد"، ثم ينادي عامل النظافة: "عقم الممر ثم المصعد"، يتصل بالطاقم الطبي في الطابق السفلي: "الآن سيصل إليكم، حافظوا على إجراءات السلامة في نقله بالمركبة إلى المشفى الآخر".

 هكذا أمضى طبيب الباطنة بمستشفى الصداقة التركي الفلسطيني بدر شبير مشهدًا واحدًا في نقل مريض من أصل ٣٠ مصابًا نقلوا بالإجراءات السابقة نفسها، وهو من بين عشرات المشاهد المماثلة التي تحدث معه يوميًّا، فتكون الحركة داخل المشفى "مكوكية" لا يوجد هناك راحة أمام متطلبات واحتياجات المرضى، ووجود حالات إصابة بفيروس كورونا، إلى أن يحل المساء فيرخي جسده المنهك على وسادة طبية بضع ساعات، ليقوى على الحركة استعدادًا إلى بدء يوم جديد.

في اليوم الخامس له بعد استدعائه لرئاسة قسم يشرف على علاج مصابي فيروس "كورونا"، ارتدى قفازيه وكمامته وسترة تغطي كامل جسده؛ كانت عيناه الساهرتان على حراسة المرضى تصارعان التعب والنعاس؛ فهو لم ينم إلا قليلًا منذ يومين، يمشي منهكًا بقدمين ثقيلتين، وقبل أن يدخل لتفقد غرف القسم، تراجع خطوات إلى الوراء بعدما لمح شخصًا وكأنه يعرفه.

التفت إلى وافد جديد يدخل ببرتوكول طبي خاص، ليجده بعدما حدق النظر إليه صديقه الطبيب الذي لم يره منذ سنوات، وقد طاله الفيروس؛ لا يستطيع مصافحته، أو الاقتراب منه، وقف الطبيب في حيرة من أمره، لكن "السلامة" هنا أهم، اكتفى بإرسال تعاطفه وتضامنه معه بعينيه، وإشارة ترحيب خاصة.

 بهدوء وضع شبير يده على صدره ثم أبعدها للخارج وضمها لصدره وكرر الأمر ثانية وثالثة،  منحنيًا قليلًا من بعيد، معبرًا عن حبه لصديقه المصاب.

ثم واصل الطبيب شبير (29 عامًا) من محافظة خان يونس جولته داخل القسم، وقد امتلأ قلبه كذلك حزنًا على ما أصاب صديقه.

في أحد أقسام الباطنة بمستشفى الصداقة التركي الفلسطيني يشرف طبيب الباطنة شبير على قسم يضم أكثر من 30 مريضًا مصابًا بفيروس كورونا، من كثب يتابع حالتهم الصحية، ويؤمن بيئة سلمية ومريحة لهم، وكذلك مستلزماتهم الشخصية بـ"طريقة آمنة" وفقًا لبروتوكول صحي يضمن عدم نقل العدوى إلى الطاقم الطبي أو أي من الأطقم العاملة.

نداء الواجب

كان شبير على علم أن "لحظة نداء الواجب للمشاركة في الأزمة آتية عاجلًا أو آجلًا"، وأنه لا بد من المشاركة فيها والنزول إلى قلب المعركة، وفي الخطوط الأولى لها، ليواجه الفيروس وجهًا لوجه، من باب المسؤولية الأخلاقية والوطنية.

"المسألة أصبحت مسؤولية الجميع، علينا الوقوف في خندق واحد لمواجهة الأزمة، وإن كان الأهل الأسرة الصغيرة فالوطن أسرتنا الكبيرة، وكلنا في سفينة واحدة تسعى للوصول إلى بر الأمان" بصعوبة استطاع سرق وقت فراغ والتحدث إلى صحيفة "فلسطين"، فما يخوضه الأطباء أشبه بمعركة، تدور رحاها مع عدو غير معروف، وعلاجه غير مكتشف، سوى بعض "الأدوية البسيطة" مثل "الأكامول"، فكان اللقاء متقطعًا.

"في التعامل مع المرضى نلتزم بأعلى معايير السلامة، وفقًا لبروتوكولات مكافحة العدوى المنصوص عليها من منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة، بالحفاظ على اللباس الواقي والتحدث إليهم من مسافة آمنة، ثم طمأنتهم وبث روح العزيمة فيهم، حتى نشعرهم بالأمان" هذا واحد مما تدرب عليه الطبيب شبير وزملاؤه استعدادًا لهذه المرحلة.

إرهاصات الفيروس

هل كان انتشار الفيروس مفاجئًا لكم؟، "الحقيقة، لا؛ فثمة إرهاصات تنذر بحصول هذا المشهد، وقد كنا نجري تدريبات ومناورات كبيرة مكثفة ومستمرة استعدادًا لهذه اللحظة وقد وقعت" يرد.

لكن ما يحزنه أن "ثمة عددًا من المصابين هم من الكادر الطبي، بتخصصات ومستويات إدارية متعددة، خاصة أن الكوادر الطبية تمثل الخطوط الأولى والعناصر الرئيسة في مكافحة العدوى، وأن فقدان خدمات الكادر الطبي المصاب سيؤدي إلى عجز في مواجهة الأزمة، إذا استمرت الأعداد في الازدياد".

ينقلنا إلى قلب المشهد أكثر: "الجميع هنا (بمستشفى الصداقة) يعمل كخلية نحل، من أطباء وممرضين، واختصاصيي مكافحة العدوى، وعمال النظافة، كلٌّ يعمل على قدم وساق وفقًا لمسؤوليات كل منهم من أجل توفير بيئة مريحة للمرضى، صحية وآمنة".

أما المرضى فحالتهم مستقرة –وفقًا لإفادة الطبيب– أغلبهم لا تظهر عليهم أي أعراض ويتلقون الرعاية الكاملة في هدوء وأمان، يزيد: "قد نعطي الأدوية البسيطة لعلاج بعض الأعراض لمن تظهر عليهم مثل الأكامول".

مشاهد محيرة

من المشاهد التي توقف عندها أن مسنًّا كبيرًا أصيب بالفيروس وحجر بغرفة معزولة، كان كل ما يتمناه أن يتحدث إلى أحد أبنائه وجهًا لوجه ولا يستطيع، هنا وقف الطبيب حائرًا "أيقدم الخدمة الطبية أولًا، أم يخفف عنه آلام قلبه؟"؛ فكلها أدوار أصبحت مطلوبة من الطبيب هنا.

التقط الطبيب أنفاسه؛ بعدما غاب نحو ساعتين منشغلًا مع المرضى، وعاد ليكمل المشهد: "تأثرت بذلك المسن، كان يريد شخصًا يستمر بالحديث معه، يريد أحد أبنائه".

تغافله ابتسامة: "يا للأسف!؛ الوضع صعب، ولا يمكن تلبية طلبه، ولكن كنا نخفف عنه وندعمه نفسيًّا، ونرفع من معنوياته، كنت أقول له: (إحنا زي أولادك، موجودين حواليك)".

هنا؛ كان الظرف قاسيًا عليه: "حينما جاء صديقي الطبيب مصابًا بفيروس كورونا، ولم أره منذ سنوات، لم أستطع السلام عليه، مع أنه اتصل بي قبل أيام يطمئن على سير العمل بالمشفى" .

منذ ستة أيام لم تهدأ الحركة "المكوكية" داخل المشفى، بإجراءات تفريغ المشفى من المرضى، مع بقاء حالات المصابين من الكوادر الطبية بمستشفى الصداقة، "نقل المرضى صعب، وله بروتوكلات معينة، بدءًا بالترتيب والتنسيق من لحظة خروج المصاب من باب غرفته، في الطابق الثاني حتى ينزل بالمصعد، وهو يرتدي غطاءً طبيًّا عازلًا، يرافقه عامل، يتسلمه طاقم آخر في الطابق السفلي، وينقل على سيارة، وهناك يتسلمه طاقم طبي" هكذا يكون الأطباء معرضين لخطر الإصابة بالفيروس.

ابتسامته هنا تكفي لإخبارك بالجهد المبذول: "لما يكون لديك ثلاثون مصابًا وتريد نقلهم إلى مستشفى "غزة" الأوروبي، فسيكون الأمر صعبًا".

ما إن يطرق عقرب الساعة في رحال دورته عند السابعة والنصف صباحًا، حتى يبدأ الروتين اليومي للطبيب شبير، يحضر وجبة إفطار المرضى، يلقي نظرة على المستلزمات الطبية الناقصة، ثم يمر على المرضى من ذوي الأمراض المزمنة لتفقد أدويتهم، والتحقق من احتياجاتهم، ثم يتفقد المستلزمات الطبية ومستلزمات الوقاية الشخصية، وما بين الظهر والعصر الأطباء لا يعرفون الراحة، يصارعون الفيروس، ويقاومون النعاس، النوم هنا أشبه بـ"استراحة مقاتل" في قلب المعركة، ساعتين أو ثلاثة؛ يواجهون مصير المرضى نفسه، وغالبيتهم دفعوا ثمن واجبهم؛ فقد طالت مخالب الفيروس عددًا من كوادر الطاقم الطبي.