بين سياسة "فرِّقْ تَسُدْ" بصورها الجديدة والوعي السياسي المطلوب

نرى هذه الأيام طبعات جديدة من هذه القاعدة الاستعمارية : " فرّق تسد " ، لقد سمعنا تسميات إبداعية خلاقة مثل : " الفوضى الخلاقة " إذ يُغرقون البلد في حالة من الفوضى والصراع الداخلي لتُخرج من تحت ركامه من يسير بالبلد في الاتجاه الخلاق ! وهذا يعني خلاقا في تبعيتهم والخضوع لسياساتهم والامتثال التامّ لما يريدون ، وباتت سياسات أعدائنا مكشوفة الى حدّ كبير ، هل هناك أوضح من قول ترامب على الملأ: " نريد ثمنا لحمايتهم ، يملكون المال الكثير ، نحن بحاجة اليها لمعالجة البطالة عندنا" ، ثمة هدف آخر لهم وهو بيع السلاح والمزيد من صفقات الاسلحة خاصة من تلك التي توشك ان تنتهي صلاحيتها أو من تلك التي صارت قديمة في عالم التسلح ، ففتح هذا السوق المربح لا بدّ له من فتح الصراعات التي تستهلك هذه الاسلحة .

وهنا بات الفرز في أي حراك جماهيري بين الدوافع الداخلية المحقة وما يريد منها أعداؤنا في غاية الاهمية ، فلا يجوز أن يلوذ الناس الى الرضا بالفساد المستشري بحجة تربص الاعداء بنا وخوفا من ركوب الموجة وحرف المسار ، وفي الوقت نفسه لا يجوز الوقوع فريسة لمخططاتهم . فما الحلّ إذًا ؟

هنا تظهر أهمية الوعي السياسي الذي يفرق بين الصديق والعدوّ بكل وضوح، وماذا نريد نحن وماذا يريدون وإلى أين نحن ذاهبون ، فمثلا بداية الحراك الشعبي السوري كانت الامور واضحة وبيّنة، ثم بعد ذلك دخل السلاح والمسلحون من كل صوب وحدب، وكان يقف خلف التمويل والتسليح التوجيه نحو ما يريد هؤلاء ، إذ لا يختلف اثنان على أنه لا يوجد هناك من يموّل ويسلح لوجه الله تعالى، وصارت سوريا ملعبا لهؤلاء التجّار بدماء الناس والابرياء .

ولا يكفي أن يقتصر الوعي السياسي على النخبة السياسية رغما أنه كثيرا ما يتخطاها فتقع فريسة لجهل الجاهلين. الوعي السياسي أصبح ضرورة للنخبة وللقواعد الجماهيرية ، اذا انحرفت النخبة أوقفتها جماهيرها فتحسب لها ألف حساب ، أما إذا عم الجهل وغلب التفكير العاطفي وتحكّمت ردود الافعال بعيدا عن الفهم السياسي السديد، ورؤية الاهداف والوسائل الممكنة وطرق التغيير الرشيدة فإن ركوب الاعداء وتسلل من يحرفون البوصلة يصبح أمرا ميسورا .

الوعي السياسي ضرورة هذه الايام كضرورة الاوكسجين والهواء ، واجب هذا العصر أن ندرس السياسة ومعادلاتها ليتبيّن الخيط الابيض من الخيط الاسود بين سياستنا الوطنية وسياسة الاعداء وعملائه المندسّين بيننا ، والمتابع لمواقع التواصل والنقاشات والمناكفات والصراعات بسبب أو دون سبب وفي ملاعب وهمية أم حقيقية يرى بوضوح انتشار نعرات الاتجاه المعاكس وضحالة التفكير السياسي واننا مشاع لترويج التفكير الطائفي والعاطفي والتحزب لآراء كثيرا ما تكون اقرب لتصورات اعدائنا السياسية من تصوراتنا ، بسهولة تهافت الفراش للنار نجد من يتهافت للفرقة والتناحر الحزبي والطائفي والعرقي وليجد نفسه يشتغل ليل نهار في مسارات تفتحها السياسات الاستعمارية في بلادنا التي تصب في نتيجة واحدة هي: " فرّق وأعمِل بلاغة لسانك وقوة حجتك وبرهانك ليسود الاعداء ولتعلو كلمتهم ورايتهم على أنقاض ما نفعله بأنفسنا".