غزة.. عندما تقرع طبول الحرب

مضت ٦ سنوات بالتمام والكمال على آخر عدوان إسرائيلي غاشم على غزة الصبر والصمود والمقاومة، وكان الوجع كبيرًا في غزة والدمار والخراب كثيرًا. ولكن؛ قد سمع العدو وشاهد بأم عينيه ما كانت تتوعده به المقاومة أمرًا واقعًا، ورأت قيادة العدو السياسية والأمنية والعسكرية من فعل المقاومة ما لم تكن تتخيل أن تراه في أبشع أحلامها.

فالجو يمطر مدنًا وبلداتٍ ومستوطناتٍ ومطاراتٍ وقواعدَ عسكريةً وشبكات الطرق العامة بألوان وأصناف شتى من الصواريخ محلية الصنع التي تطورت مع الزمن في مداها وقوة تدميرها. يومها رددت المقاومة مقولة: "القصف بالقصف والهدم بالهدم"، وبرًّا حيث استخدمت سلاح الأنفاق في تنفيذ عمليات خلف خطوط العدو، حيث سحب جنود الاحتلال من ميدان المعركة إلى داخل القطاع واضطر معها الاحتلال إلى تنفيذ إجراء "هنيباعل" الذي لا يحب تنفيذه إلا في حالة الضرورة القصوى ليقتل جنوده مع آسريهم حتى لا يترك في يد المقاومة أوراقًا للمساومة. وبحرًا حيث وصلت مجموعات "الضفادع البشرية" التابعة للمقاومة إلى شواطئ زيكيم لتباغت العدو خلال المعركة وتترك في ذاكرته ساحة ينظفها بيده ويخفي معالم جراحه وخسائره فيها لبعدها عن الأنظار وعدم وجود إمكانية لدى المقاومة أو الإعلام لتوثيقها.

اليوم عادت طبول الحرب لتقرع في غزة، فإلى أي مدى يمكن أن تنفتح المواجهة إذا حدثت؟ ومن الخاسر ومن الرابح في هذه الجولة؟ وهل يمتلك العدو الجرأة لتنفيذ تهديداته بالعودة لسياسة الاغتيالات؟

من الواضح أن غزة على الصعيد الإنساني أصبحت بظهر ملتصق إلى الحائط خاصة مع إغلاق المعابر ومنع دخول الوقود لمحطة الكهرباء ومواد البناء اللازمة للمشاريع الحيوية وتشغيل العمال وفتح فرص عمل بديلة للخريجين في ظل الحصار المستمر لأكثر من ١٣ عامًا والتضييق البحري على حركة الصيادين قبالة شواطئ غزة، ما يعني أن غزة لم يعد لديها ما تخسره في ظل انفتاح المواجهة مع الاحتلال، خاصة أنها جربت ذلك خلال نفس الحصار ثلاث مرات كان الاحتلال فيها يملك قرار البداية في حين تمتلك المقاومة قرار الانتهاء بعدما ترسل رسالتها الأخيرة قبيل الدخول الفعلي للهدنات حيز التنفيذ بعد نزول الاحتلال عند شروط المقاومة وعبر الوسطاء.

أما على الصعيدين: الأمني والعسكري، فلا تزال غزة تمتلك أوراقًا قوية للغاية، فهي تختزن معلومات لم تنجح محاولات العدو في الوصول إليها خلال "صراعات الأدمغة" التي كشفت الأحداث والمقاومة ثلاثة منها في "حد السيف" و"السراب" و"بيت العنكبوت" وما خفي أعظم.

نعم وضعت الحرب أوزارها في صيف ٢٠١٤ الساخن ولم يعرف العدو منذ ذلك الوقت جوابًا على أكثر الأسئلة حيرة: ما مصير جنوده الذين تركهم خلفه في ساحة المعركة داخل القطاع المحاصر؟ ما مستوى التقدم الذي حدث لدى المقاومة في منظومات الصواريخ الهجومية والدفاعية؟ وماذا عن تكتيكات الميدان برًّا وبحرًا؟ وماذا تمتلك المقاومة من مفاجآت؟ وكم يومًا ستستمر المعركة هذه المرة؟ وكم ستبلغ تكلفة أضرارها الاقتصادية عند الاحتلال؟ وما تأثير المعركة على مجتمعات دولة الاحتلال في ظل جائحة كورونا؟ ومن الذي سيدفع فاتورة الحرب غير الاحتلال نفسه هذه المرة؟ خاصة في ظل انشغال حليفه القوي -ترامب وإدارته- بمعالجة أزمات كورونا والانهيار الاقتصادي وزيادة معدلات البطالة والشلل في الناتج القومي العام والتحضير للانتخابات. أم الأوروبيون الذين لم يعودوا يرون دولة الاحتلال ضحية في الشرق الأوسط وإنما غول استيطاني يحاصر الجوعى بغزة في جريمة عقاب جماعي مستمرة لأكثر من ١٣ عامًا ويسعى لضم أراضي الغير خلافًا لقرارات الأمم المتحدة المختلفة. أم المطبعون العرب الذين لجؤوا للتطبيع معه اعتقادًا منهم بأنه سيخلصهم من أزماتهم المختلفة وعلى رأسها أزماتهم الاقتصادية خاصة في ظل مغامراتهم ومناوراتهم الكارثية والمدمرة لهم في أسواق النفط والمال؟

غزة مرة أخرى على موعد مع النصر، فهي في وسط كل ما يحدث في الإقليم تتمتع بمجموعة من نقاط القوة وهي:

1- أنها تعتمد على قدراتها الذاتية في تطوير منظوماتها الدفاعية ولم تستجب لأي من الضغوط أو الحوافز الوهمية طوال ١٣ سنة لتسليم سلاح المقاومة وإنما على العكس تمامًا استمرت وتمادت في تكديسه وتطويره.

2- أن لديها عمقًا شعبيًّا داعمًا ومحتضنًا ويمارس حقوقه في التظاهر السلمي أحيانًا وفي المقاومة الشعبية بالحجر والإطار المشتعل أحيانًا أُخر، أو بتفعيل الأدوات الخشنة من بالونات حارقة وأساليب الإرباك الليلي المختلفة، وكل ذلك دون تجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في المقاومة حتى إنهاء الحصار المفروض عليه وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بالكامل للأراضي الفلسطينية والحصول على كامل حقوقه المشروعة في حريته وإقامة دولته المستقلة على أرضه.

3- الاستعداد للتضحية بكل غالٍ ونفيس مقابل تحقيق الانتصار في المعركة التي تسببت دومًا بتذكير العالم بالحقوق المنسية للشعب الفلسطيني: كالعيش بحرية وكرامة. وكشفت دومًا الوجه الحقيقي البشع للاحتلال الذي حاول دائمًا إخفاءه بالتظاهر بأنه دولة فوق القانون وقادته أكبر من أن تتم محاسبتهم معتمدًا على أبواق الإعلام العالمية من وكالات أنباء مملوكة له بالكامل ومنصات تعمل على ستر عوراته ليست منصة فيس بوك المثال الحصري والوحيد فيها.

4- وجود تغير في المزاج الشعبي في كثير من دول العالم ضد الاحتلال وانطلاق مسيرات داعمة للشعب الفلسطيني ومناهضة للاحتلال والتطبيع معه وداعية لمقاطعته ومباركة لمقاومته.

5- وجود حالة إجماع وطني فلسطيني على خيار المقاومة خاصة بعد إفشال العدو بنفسه كل الرهانات الفلسطينية على خيارات التسوية.

6- نجاح تجربة المقاومة الموحدة عبر غرفة العمليات المشتركة في ظل الفشل الأمني الإسرائيلي المستمر في معرفة مقدرات المقاومة ومدى تطورها منذ آخر مواجهة مفتوحة معها قبل نحو ست سنوات.

7- ضعف ساحة العدو من جوانب عدة: جنود المعركة السابقة الأسرى لدى المقاومة لم يتم استعادتهم وتتظاهر عائلاتهم أمام بيت ومكتب رئيس الحكومة ليل نهار احتجاجًا على عدم عودتهم. وفشل حكومة الوحدة في إدارة برامجها وتفاقم الانقسام بين طرفيها وتنازل زعيمها عن مشروعه الذي دخل الانتخابات لأجله "خطة الضم" وتشظي جبهة الآخر لتنازله عن برنامج قائمته الانتخابية تحقيقًا لأطماعه الشخصية. وملف كورونا الذي دمر المجتمع الإسرائيلي صحيًّا واقتصاديًّا وتعليميًّا، واليوم على طاولة المعركة سيلعب دورًا محوريًّا في نشر الإحباط لدى ما يسمى عند العدو بالجبهة الداخلية في أول يوم ينزلون فيه إلى الملاجئ إذا اندلعت الحرب.