تقرير في العيد مطلقات يُحرمن رؤية أطفالهن.. لحظات "بطعم العلقم"

...
shutterstock_265010141_743690 (1).jpg
غزة/ يحيى اليعقوبي:

تشرق شمس الأعياد إلا شمسها .. يرنو لمسمعها صوت التكبيرات لكنها كانت تسمع صوتا يعلو أكثر، يأتي ذلك الصباح ويلتقي الأحباب بالأحضان إلا هي التي تعيش وإياهم تحت سماء واحدة وفي بقعة جغرافية لا تفصل بينهم سوى مسافات، قبل أيام كانت ضحكاتهم تتعالى حينما اشترت الأم المطلقة كسوة العيد لأطفالها لكن ها هي بجانبها تنتظرهم، حزينة تبدو كقلبها.

ورغم أنها تمتلك "حكم استضافة" (رؤية أطفالها لمدة 24 ساعة كل أسبوعين) ولكن من سوء حظها أن موعد مشاهدتها لأطفالها بحكم الاستضافة بعد أسبوع من انتهاء عيد الأضحى؛ ووالدهم –كما تقول أسماء (اسم مستعار للأم التي طلبت عدم كشف هويتها)- لا يسمح لها لا بتقديم ساعة ولا يوم ويقول لها: " أنا ماشي قانوني معك غير هيك مالك عندي".

الإجراءات التي حاولت أن تقوم بها هي طلب مشاهدة طارئة في أي يوم من أيام العيد ولكنها تقول: إنها وجدت كيفية تقديم الطلب وتكلفته غير مناسبة لها، وغير ذلك أن "حكم المشاهدة الطارئة يقتصر على رؤيتهم لعدة ساعات فقط  فلم تتشجع لهذه الفكرة رغم حاجتها لرؤيتهم في العيد؛ وفق حديثها.

"عدم رؤيتي لأطفالي في المناسبات والعيد يؤثر بشكل مميت على نفسيتي والأصعب والأمر أن طفلي التوأمين أول سنة دراسية هذا العام وهذا الحدث يقتلني كل لحظة " .. هذه الأم المطلقة رسمت آمالا كثيرة على هذه اللحظات منذ صغرهم وكانت تمني النفس  أن تمر الأعوام كي تراهم بين أكنافها وتدرسهم وتلبسهم وتجهزهم لتلك المرحلة لكن جاءت ظروف الطلاق خارجة عن إرادتها.

تخرج ما بها من ألم في حديثها مع صحيفة "فلسطين": "اللحظات التي تفصلني عن صغاري ليست محسوبة من عمري، إنها بطعم العلقم أتجرعها بكل مرارة".

العيد لم يبدأ بعد!

لا يختلف الأمر كثيرا هنا .. كانت عقارب الساعة وكأنها تمشي على ظهر سلحفاة، تمر بطيئة على قلب هبة (مطلقة ولديها أطفال)، العيد يبدأ بالنسبة لها ثالث يوم، وهو الموعد المفترض رؤيتها لأطفالها حسب حكم المحكمة، مر اليوم الأول، والثاني، وغفت بقرب ملابس أطفالها، حينما أشرقت شمس اليوم الثالث عليها.

تقول لصحيفة "فلسطين": إنها ذهبت للموعد المحدد فوجدت طليقها قد أخذ الأولاد لمكان غير معلوم بالنسبة لها، كان المشهد أمام منزل طليقها صعبا على قلبها، تضيف: "ذهبت للشرطة لإحضار الأولاد ولم يكن موجودا (...) جدهم خرج يضحك ويستهزئ بقلب أم ملهوف على رؤية أطفالها، الجيران حاولوا التدخل بالخير فطلب منهم عدم التدخل".

يعتصر الألم صوتها هنا: "بتعرف شو اللي بيقهر، أنه العيد خلص راح .. وعمل اللي بده اياه".

فرحة غائبة

"أقسى الأيام التي تمر علينا، هو العيد .. لا فرحة أشعر بها ولا يشعر بها أطفالي، يعتصرني الألم كل ما يمر عيد، فيتفنن والدهم (طليقها) في حرماني فرحة العيد بوجودهم، أنتظر مليون اتصال وتوسل لأرى أولادي" .. هكذا يكون عيد شيماء (اسم مستعار للسيدة التي طلبت عدم كشف هويتها).

تضيف شيماء لصحيفة "فلسطين": "أستعين بالشرطة لأحصل على حق مشاهدة أولادي فقط ساعتين، هذه مكافأتي كأم ربت وتعبت لرؤية أطفالها ساعتين".

مسارات قانونية

من جهتها تقول المحامية الشرعية ناهد الطيبي، إن هناك سيدات مطلقات يعانين إذا أردن رؤية أطفالهن، موضحة أن المادة (118) في قانون "العائلة" تنص على أن الابن الصغير يبقى في حضانة أمه للذكر سبع سنوات، وللأنثى تسع سنوات، على أن تمدد المدة لعامين إضافيين حسب نصوص المادة (391) في قانون الأحوال "الشخصية"، فتصبح الحضانة للذكر حتى تسع سنوات، وللأنثى حتى 11 عاما، علما أن قانون "الطفل الفلسطيني" يحدد عمر الطفل لمن  دون 18 عاما.

وتضيف الطيبي لصحيفة "فلسطين" أنه حسب قانون الأحوال الشخصية فإنه من حق المرأة مشاهدة ابنها لمدة ساعتين أو أربع ساعات حسب اتفاق الطرفين بمكان غالبا لا يكون في بيت طالب المشاهدة مرة كل أسبوع، مثلا في مركز حقوقي، وهذا وفق تعميم صادر عن ديوان القضاء الشرعي؛ وهو ما تؤكده المحامية الشرعية.

وتستدرك: "لكن هناك مناسبات وأعياد وأفراح، فتطلب الـ "مشاهدة طارئة"، وتقوم بتقديم طلب للقاضي ويوقع عليه، لكن تصبح هناك مماطلة بالتنفيذ من قبل آباء وأحيانا يلجأ بعضهم إلى تغيير مكان سكن الأطفال، وإذا رفض يتم تنفيذه من خلال الشرطة".

وتبعا لحديث الطيبي، فإن المطلقة إن حصلت على حكم مشاهدة فعند التنفيذ قد تكون هناك معاناة، ويتحول الأمر لحرمان يمارسه أب أطفالها (زوجها السابق) عليها، يحرمها من حقوقها الشرعية بعقد الزواج، وحقوقها من الحصول على نفقة عدة المطلقة ونفقة الصغار إذا كانوا في حضانتها، عادا أن عامل القوة بيده، بمعاناة كبيرة تستطيع تنفيذ حكم "المشاهدة" عن طريق الاستعانة بالشرطة وتحمّل رسوم وأعباء مالية.

وحسب إحصائيات نشرها ديوان القضاء الشرعي في قطاع غزة، فإن عدد حالات الطلاق بلغ عام 2019 (3216 حالة طلاق)، وبلغ عام 2018 (3171 حالة)، في حين بلغت حالات الطلاق عام 2017م (3255 حالة طلاق).

تأثير كبير

غالبا ما يكون الأطفال الذين انفصل أبوهم وأمهم ضحية التشتت، خاصة في المناسبات كالأعياد والأفراح، وفق المرشدة النفسية سناء لبد.

وتقول لبد لصحيفة "فلسطين": "ذلك يشعر الطفل بعدم التعبير عن سعادته والحرمان منها والاحساس بالخسارة المستمرة وفقدان أحد أساسيات الحياة ألا وهو الإحساس بالسعادة والتعبير عن المشاعر والاحتفال بالعيد مع الأب والأم، ذلك الحرمان يفضل على المدى الطويل للطفل وأحياناً يصاحبه في الكبر".

كذلك من آثار الطلاق في حضور المناسبات شعوره بالحقد والغضب تجاه من يحرمه من المشاركة في فرحة العيد مع أمه... ويشعر الطفل بفقدان الأمان ويظهر ذلك ببعض سلوكيات الطفل كالتنمر بكل أنواعه والعنف والعدوانية. كما تقول.

عدم احتواء الأب والأم للموقف –تتابع- سيؤثر على الطفل بشكل كبير وسيُولد عنده الكره للمناسبات والاعياد وستصبح عبئا عليه لأنه لا يشعر بالسعادة كباقي الأطفال، بل سيعاني الطفل من ضغوطات نفسية كالتعرض للأحلام السيئة  والكوابيس والعزلة الاجتماعية والاحساس الدائم بالحزن والأسى الشديد وعدم التكيف.

المشاعر السابقة، حسبما تذكر، جميعها يؤدي إلى ضعف قدرة الاتصال لدى الطفل وذلك من خلال عجزه عن التفاعل مع والديه بسبب المشاعر السلبية التي تظل عالقة به حيث يكتسب بعضها من النزاعات والبيئة  التي يعيش فيها أو الناجمة عن تغيّرات ما بعد الطلاق كارتباطه وتفاعله مع أحد الوالدين فقط وهو الحاضن له وابتعاده عن الآخر وعدم الالتقاء به أو محادثته فترات طويلة، ما يجعله يشعر بالاستياء والكره والغضب منه وبالمقابل يتعلق بالحاضن له وغالباً ما تكون الأم ويخشى فقدانها أو خسارتها وهجرها له لاحقاً.

"التعامل غالباً لا يكون لصالح الطفل وانما قد يكون حسب مزاجية الأب وأهوائه خاصة إذا كان الأب يستخدم أطفاله وسيلة للانتقام من الأم المطلقة"؛ لذلك لا بد من منح الطفل أن يعبر عن مشاعره بصدق، ومنح الطفل المزيد من الاهتمام والرعاية، ومشاركة الطفل في المناسبات والاعياد وترك الاختيار له في مشاركة فرحته مع الأم أو الأب، وإخراجه من أجواء الخوف والاكتئاب.

الأمر المهم الذي تؤكده هنا احترام الأبوين المنفصلين لبعضهما والتوافق بينها بما يخص مصلحة الطفل وتجنب الإساءة للأم أمام الطفل أو شتمها أو التحدث عنها بصورة غير لائقة أمام الطفل، وعدم اشعار الأخير بالابتعاد أو تخلي أحدهما عنه بعد الانفصال، ومحاولة ضبط روتين الاطفال اليومي وتنظيمه بين الوالدين المنفصلين.

 

 

المصدر / فلسطين أون لاين