تقرير تفوقوا بالمهن.. شباب يتجاوزون "رسوب التوجيهي"

...
ساري الحرازين صورة مطلوبة للنشر بالتقرير.jpg
غزة/ يحيى اليعقوبي:


بدأت رسائل نتائج  الثانوية العامة تتساقط على الهواتف تحمل بريدًا مفرحًا على قلوب البعض وحزينًا على البعض الآخر، معها انطلقت الزغاريد، والمفرقعات النارية لتزين السماء وتَقْرَع طبول الفرح، في الأثناء اتصال هاتفي يصل إلى محمد العصار (طالب ثانوية عامة آنذاك) من صديقه الذي نجح وكان يريد مشاركته نجاحه لكنه أراد التأكد: "طمني.. أنت ناجح؟ بعد لحظات صمت خرجت إجابة محمد  ثقيلة: "لا ما نجحتش"، انتهت المكالمة وانقلب الاتصال من التهاني إلى مواساة الصديق لصديقه.

بكى محمد كما لم يبكِ من قبل، بعدما شاهد دمعات والدته لأول مرة، شعر بتأنيب الضمير؛ لأنه أطفأ الفرحة في بيته، وأغلق الستار على نفسه منعزلًا عن الخارج لعدة أيام مقيمًا مراسم حزن خاصة، لكنه لم يرفع راية الاستسلام أو الراية البيضاء، مدركًا أن "التوجيهي" ليس نهاية المطاف.

لملم أحزانه، ووضع النتيجة خلف ظهره، وبدأ خوض معترك إثبات النفس، "صُدِمت والدتي بعدم نجاحي في الثانوية العامة في المرة الأولى، وفي الإعادة الثانية لم أنجح، فتعلمت مهنة "الحلاقة" والتحقت بمركز تدريب".. يستهل حديثه مضيفا: "ثم تدربت عند صاحب صالون حلاقة لمدة عام آخر، وتوّجت هذا الجهد بفتح محل خاصّ بي، والآن أعمل منذ 10 سنوات".

"مش كل شيء الدراسة الأكاديمية، هناك مجالات أخرى قد توصلك أفضل منها".. هكذا لم يجلس محمد في بيته ويركن إلى والده.

الحلاقة في نظره ذوق في التعامل مع الناس، يجب أن تبقى الابتسامة  فيها حاضرة، "العمل في الصالون كان ضعيفًا ثم شيئًا فشيئًا اكتسبت الخبرة، ثم تكسب حب الناس عندما تتقن عملك".

تزوج محمد وكوّن أسرة بعد عامين من افتتاح المشروع، ورُزق بطفلين "جودي، وأسامة"، ويَنصح من لم يحالفهم الحظ بالنجاح بالتوجيهي: "إذا كان متفوقًا ويستطيع الحصول على علامات، فأنصحه بالدراسة الأكاديمية، أما إن لم يحبّ الدراسة، فالمجال المهني واسع، وهذه صناعة ولها دورها في المجتمع، إذ لا يمكن الاستغناء عنها وقد يجد نفسه فيها".

تصوير

"لم يحالفني التوفيق قبل عامين، كنت أشعر أنني لن أنجح في الثانوية العامة، وضَعْتُ في نفسي أن أنجح بمجال آخر، لأنها ليست نهاية حياة الإنسان إذا لم يتوفق بالنجاح في التوجيهي"، هكذا أقنع الشاب ساري الحرازين نفسه للتغلب على خسارة الثانوية العامة.

تقاطعت رغبة ساري لإثبات نفسه، مع حبه لمهنة التصوير، فبدأ غمار التدريب في استوديو تصوير، تعرف فيه على طريقة التصوير واستخدام أنواع الكاميرات وزواياها، وصور حفلات زفاف شبابية، وجلسات تصوير، وفي برامج الكاميرا الخفية.

"تكرمت كثيرًا.. والحمد لله مبسوط جدًا على هيك"، بهذا صنع ساري نفسه وحجز له مكانًا بين المهن، يقول: "توجيهي ليست كل الحياة، وأعرف أشخاصًا نجحوا فيها ويجلسون الآن في بيوتهم، في حين أعمل وأتقاضى دخلا لا بأس به".

ابتسم وقال بلهجة عامية: "صارلي أسبوع ما اشتغلت تصوير مع إنه بجيلي تصوير جلسات لإني شغال شغل تاني".

الآن وثّق ساري علاقته بالكاميرا التي أصبحت جزءًا منه، يعرف كل أجزائها وكل شيء عنها، مختصرًا هذه العلاقة بكلماته هنا: "ما بعرف أتحرك بدونها، كل ما أطلع لازم تكون على كتفي".

لكن لم يكن ذلك كل ما وصل إليه الحرازين، بل حصل على دبلوم مهنيّ في التصوير لمدة عام، من دون شهادة التوجيهي، وهنا تحقق حلمه الذي تمناه بأن يدرب بالكلية التي التحق بها، وارتدى ثوب التخرج وقبعة النجاح.

صيانة

بعدما لم يُوفق حسن تمراز بالثانوية العامة، عام 2014م لجأ إلى تعلم مهنة صيانة الغسالات والأدوات الكهربائية، فكان لديه رغبة من صغره بالصيانة، دائم الفضول لتفكيك أجزاء أدوات كهربائية متعطلة والتعرف، إليها والغوص في أعماق أجزائها.

يبدأ حديثه من بداية خوض غمار التحدي: "منذ صغري كنت أحب الصيانة، فتقدمت للتدريب بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وهناك تعلمت كل شيء عن صيانة الأدوات الكهربائية، تخصص "الغسالات"، وكنت أخضع لامتحانات".

بعد التدريب المهني، انخرط تمراز في سوق العمل متدربًا على يد صاحب معمل صيانة لمدة ست سنوات، زادت خبرته مازجًا بين العمل والعلم الذي تلقاه في مركز الوكالة، وقبل عام أسس مشروعه الخاص وافتتح محل صيانة، يختم حديثه: "غزة أصبحت متكدسة بالطلبة والخريجين، والتدريب المهني قد يفتح آفاقًا أكثر في السوق".

حاجة سوق العمل

مدير دائرة المتابعة والإشراف المهني بوزارة العمل، م. أحمد النجار، يشير إلى أن هناك دراسات قديمة حديثة من جهات مختلفة على مدى حاجة السوق للتخصصات المهنية، وهذه الحاجة متغيرة بمدى وفرة التخصصات، ففي عام 2012-2014م زاد الطلب على الالتحاق بالمهن الإنشائية، مثل: البناء والقصارة والحديد المسلح والدهان، وأحيانا يكثر الطلب على التبريد والتكييف أو ميكانيكا السيارات الحديثة أو الاقتصاد المنزلي، مثل: التجميل والخياطة، أو التصوير والمونتاج، وأحيانا المعادن والألمونيوم.

ويقول النجار لصحيفة "فلسطين": إن "العالم مهتم بالتخصصات المهنية في السوق المحلي حسب حاجة المواطنين"، مبينًا أن لدى الوزارة حوالي 20 برنامجًا مهنيًا في مراكز التدريب المهني الخمسة، تصل ساعات التدريب فيها40- 1000 ساعة تدريبية حسب نوع التدريب.

ويضيف، إن أحد مهمات الوزارة تأهيل القوى العاملة والخريجين بما يناسب متطلبات سوق العمل، مشيرًا إلى أن مراكز التدريب الخمسة تضم 40 قسمًا، لتأهيلهم وإمدادهم بالمهارات المطلوبة لسوق العمل؛ حتى يستطيعوا تحسين فرصتهم بتأسيس مشروع صغير، والمساهمة في التنمية المستدامة.

ويقدر النجار عدد الذين يلتحقون سنويًا بالتدريب المهني بنحو 2000-2500 طالب، ويخرجون بمستوى عامل "ماهر"، متوقعًا أن يصل عدد الملتحقين هذا العام لنحو 5 آلاف طالب نظرًا للوضع العام بالمؤسسات الأكاديمية.

شيء ضروري

ووفق مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية د. ماهر الطباع، فإن التدريب المهني والتقني أصبح شيئًا ضروريًا، وهناك احتياج له في سوق العمل.

ويقول الطباع لصحيفة "فلسطين": إن هناك مشكلة في تخصصات أكاديمية تجاوزت نسب البطالة فيها 72%، وهذا الارتفاع نابع من عدم احتياج سوق العمل لهذه التخصصات، نظرا لكثرة خريجيها؛ وفق قوله.

ويلفت إلى أن هناك نهجًا عالميًّا لتشجيع التدريب المهني والتقني، وفي فلسطين توجد سياسة، حتى إن المؤسسات الدولية أوجدتها لتشجيع الطلبة بغض النظر إن كانوا ناجحين  أو راسبين، قائلا: إن "المفهوم القائل بأن الطالب الفاشل هو الذي يتوجه للتدريب غير صحيح، وقد يحصل شخص على 90% بالتوجيهي لكنه يجد نفسه في التدريب المهني، وهذه ثقافة يجب أن نعمل على تغييرها".

ويختم بأن السوق يحتاج إلى تخصصات مهنية عدة، مثل: ميكانيكا السيارات، والطاقة الشمسية، وصيانة الأدوات المكتبية، والهواتف الذكية.

 

 

 

 

 

المصدر / فلسطين أون لاين