رووا لـ"فلسطين" قصصهم بين القذائف

تقرير "مجزرة الشجاعية".. أيام عصيبة محفورة في ذاكرة الناجين

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

"هربنا وتركنا أمي خلفنا، ولا ندري أين نذهب؛ فقد كنا نركض يسألني أخوتي: "أين أمي يا أنسام؟!"، قلت لهم: "سبقتنا سبقتنا!"، وهم يعتقدون أنها سبقتنا بالمغادرة، وأنا كنتُ أقصد شيئًا آخر، كانت جموع من الناس تركض وتحمل أطفالها وكنتُ أحمل معي وجعي، والرؤية ليست واضحة من كثرة دموعي، أركض من المجهول إلى المجهول".

مرت ست سنوات على المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين في حي الشجاعية شرق غزة في 20 تموز (يوليو) 2014م، لكن ما زالت أنسام تذكر كل شيء كأنه يحصل الآن، لا تعرف كم من السنين ستمضي وهي تسترجع ذكرياتٍ أليمة عاشتها، تذكر آخر الأحاديث التي دارت بينها وبين أمها التي ارتقت شهيدة بعد ساعات من الفجر، لن تنسى آخر حضن وقبلة منها حين أُعلِنت نتائج الثانوية العامة وحصولها على معدل ٩٤٪، تذكر فرحتها بها وكلماتها: "رفعتي راسي يما"؛ فقد كانت النتائج قبل استشهادها بخمسة أيام.

"حمدتُ الله؛ أنها كانت حية وفرحت بي وكانت فرصة لأضمها وتضمني فيها، إخوتي "يحسدونني" الآن على ذلك؛ فأمي الآن ليست معنا لتحتفل بنجاحهم" تقول أنسام.

 زاد القصف كثيرًا ليلتها وسمعت أنسام السرساوي التي تروي التفاصيل صراخًا في بيت جيرانهم، على الفور آثار الخوف غبار القلق في قلب والدها وكأن عاصفة قادمة لم يعرف ما هي: "لننزل إلي بيت عمكم بالطابق الأرضي، آمن لنا".

آخر ليلة

مرور السنوات الست لم ينسها ما جرى حينها: "لبسنا كلنا وتجهزنا، وضعت أمي كل ما تستطيع وضعه في حقيبة، وتركنا بيتنا، ولم نعلم أنها آخر ليلة لنا به، فلو كنت أعلم لكنتُ تفقدته وحفظته، وسجدتُ وصليتُ، فلم يكن بيتًا؛ فقد كان الأمان والسعادة والفرح والأُنس، وكانت أمي".

 

 جاء موعد السحر والقصف الاحتلالي ما زال بل يتصاعد، قرر والدها وأعمامها عندما يحل الصباح النزوح جميعًا، ترحل بحديثها هناك: "تجمعنا كلنا لكي نتسحر فإذا أمي تقول لي: "خذي يا أنسام مربى التين، كلي جيدًا؛ أمامنا يوم طويل"، ثم رشفت رشفتين من كوب الشاي، ثم ناولتني إياه، وقالت: "اشربي هذا"، وأعطت إخوتي الصغار الخبز والجبن، ثم قالت لنا: (انتبهوا على أنفسكم وابقوا معًا، وادعوا الله السلامة)".

 

 كان النعاس يطارد أنسام؛ فهي لم تنم منذ أيام من قلقها من النتائج، ومن صوت القصف، لم تشعر بشيء قط، ثم صوت على صوت حتى أفزعتها أختها هبة من نومها وكانت درجات نبضها متسارعة وصوتها خائف: "يلا يا أنسام، في قذيفة انضربت، يلا نشرد".

 

تلك القذيفة جاءت في غرفة عمها وزوجته فأصيبا وأصيبت ابنتهما الصغيرة،  أنسام تروي ما احتفظت به ذاكرتها من ذاك الموقف: "تركنا بيتنا الكبير وتوجهنا إلى بيت الجيران، لا أعرف كيف دخلنا هناك، لم يكن أحد في بيت الجيران، هربوا وتركوا الأبواب مفتوحة".

 

كانت تمشي منهكة مثقلة بقدمين ثقيلتين كالحجارة من شدة التعب وعيناها مسدول عليهما ستار النعاس، لكنها تصارع التعب، وتهرب من الموت، ثمة تفاصيل مخبأة لا تضيع في زحام الذاكرة: "حينها رميت نفسي على السرير وغصتُ بالنوم؛ فأنا لم أع كلام أختي هبة حين أيقظتني، ولم أع نفسي أني في بيت جيراننا".

 

أنسام تغرق في عالمٍ آخر إلى أن صحت منه على صوت انفجار كبير هز أركان المنزل وارتجفت معه مصحوبًا بصراخٍ وبكاء أطفال، التفاصيل ما زالت مكدسة: "من كثرة الدخان لم أر أحدًا، حتى إني لم أشعر بألم الشظايا التي تراشقت على قدمي، بدأت أصرخ في مكاني على السرير، خفتُ أن أقوم على فاجعة، خفت أن ألتصق بأحدٍ يكون قد مات".

 

وكأن صوت الانفجار كان يدق أجراس الوداع، بدأت الرؤية تتضح قليلًا، فرأت شقيقتها أميرة تجر بأحد ثم نظرت جيدًا فإذا هي أمها، كانت عيناها مفتوحتين، الأخضر بعينيها ظاهرٌ كالأشجار، صوتها ما زال عالقًا في أذنها تنادي بصوت خافت: "أنسام، أنسام".

 

بكى قلبها، امتلأت عيناها بالدموع، كانت تكره مراسم الوداع، لأن الوداع خلق للغرباء لا لأحبة يستوطنون القلب، مع كل ذكرى للموقف تلعن الوداع ألف مرة وتنهال عليه بالعتب، وكأنها تعيد مشاهدة ما حدث: "اعتقدت أنها فاقدة للوعي هززتها: إمي قومي، يلا نهرب إجا الصبح".

 

لكنها لم تجب، شدتها فإذا رأسها يميل، لترى فاجعة لم تصدقها هي ولا أميرة، رأس أمها مفتوح بأكمله حتى إنها رأت حشو رأسها، تذكر مواقف كهذه يحتم عليك أن تضع قلبك جانبًا، وتبكي هنا على ما عاشته أنسام: "تركتها وصرخت عاليًا، صرخت حتى ذهب صوتي، بكيت دون دموع، وأميرة ذهبت لتنادي أحدًا وأنا بقيت أتأمل عينيها الخضراوين، لم أستطع لمسها بعدها، فقط أنظر وأنادي: إمي، إمي، إمي".

 

 

وقفت أمام عيني والدتها، استرجعت الله في مصابها، لحظات مرت وجاء زوج أختها "رائد"، حمل أمها، كانت الدماء تسيل من رأسها، ووضعها خارجًا تحت شجرة الزيتون بحديقة بيت جيرانهم، ونادى عليها: "أنسام، تعالي عشان تقابلي إخوتك"، كانت الدموع تسيل كنهر مندفع بقوة نحو وادي الحزن: "وأمي يا رائد؟!".

- سأتصل بالإسعاف وسنأخذها لا تقلقي.

 

وضع أمها المصابة تحت شجرة الزيتون خوفًا من أن يقصف الاحتلال باقي البيت عليها فلا تجد لها أثرًا، شجرة الزيتون تلك التي تشبه أمها.

 

 "رائد الآن مع أمي؛ فهو استشهد في صيحة الفجر؛ فكان الشهيد يحمل الشهيد" تقول أنسام قبل أن تضع نقطة النهاية لقصتها: "كانت سني 17 عامًا عندما استشهدت أمي الشهيدة ميساء السرساوي "أم عبيدة"، كانت نعم الأم لنا، ربتنا على الدين وعلى حب الوطن، كانت أمًّا مثقفة وتعشق الكتب، وتحب كتاب الله، كانت قد أنهت ختمتين للقرآن قبل استشهادها والختمة الثالثة أكملناها عنها، كانت ترعانا بحب واهتمام على كثرتنا، علمتنا أن يحب بعضنا بعضًا، وأن نخلص لكل شيء له قيمة في الحياة، لذلك تفوقنا على أنفسنا وحاولنا المسير رغم قسوة الأيام بنا من بعدها".

 

 

خمسة أيام بلا نوم

مرت خمسة أيام على المجزرة، لم تعرف الشجاعية فيها طعمًا للنوم، الخامس والعشرون من تموز (يوليو)، أم وليد الحرازين تتلقى اتصالًا هاتفيًّا من زوجها يطمئنها: "الوضع أمان في المنطقة اللي إحنا فيها"، بعد أن حدد لها المكان طلب منها القدوم: "هاتي الأولاد وتعالي".

 

اقتربت الأم من الوصول إلى المنطقة؛ وهي تمسك طفلها وليد (7 سنوات) بيدها –علمًا أنه وحيدها على أربع بنات– وتحمل طفلتها بين ذراعيها، تخشى غدرًا مفاجئًا، لكن قبل أن تصل إلى البيت الذي حدده زوجها، قابلت مجموعة رجال حذروها: "تمرقوش من الشارع هدا، عشان في بيت انقصف امرقوا من الشارع الثاني".

 

غيرت أم وليد مسار خطواتها، وتمنت لو أنها لم تسمع كلامهم، فكانت أشبه بالذي وقع بين فكي كماشة وفريسة لقناصة الاحتلال، فانهال عليها الرصاص كالمطر، أصابت الأولى رأس وليد وخرجت من الجهة الأخرى آخذة روحه البريئة معها، وأصابت رصاصة أخرى كتف شقيقته.

كانت أمام مراسم وداع لم تتهيأ لها؛ لا يزال صوتها متألمًا بعد ست سنوات من الجريمة، تهيأت عيونها للبكاء وهي تضع نقطة النهاية هنا: "لا أعلم من أين جاؤوا الشباب وأخذوا ابني، كانت الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا يوم الجمعة".

صمتت في غمرة حزنها، وتمالكت نفسها معاهدة طفلها: "عمري ما بنسى وليد".

 

تدوي أصوات القذائف في ذاكرتها، لم تنس ما شاهدته أمامها: "الحرب كانت شديدة، رعب، وخوف، وقلق، الأشلاء التي دسنا عليها ونحن نازحون، كنا نسير ونرى البيوت تقصف أمامنا".

تسأل كل ضمير حي: "طفل سبع سنوات ما ذنبه ليقتل بدم بارد؟!".

 

"يوم المجزرة كان وليد خائفًا والقصف يتواصل، كل أربع ثوان تسمع قذيفة لكنه ظل مستيقظًا طوال الليل، حتى إن بيتنا الثاني الذي لجأنا إليه بأول شارع المنصورة امتلأ بالأقارب النازحين" هكذا عاشت الشجاعية بعضًا من اللحظات المرعبة التي لا تنسى.

 

أخلت عائلة الحرازين منزلها في منطقة الشجاعية، واستأجرت شقة في منطقة "تل الهوا" بمدينة غزة، بعدما قصف بيتهم في شارع المنصورة، وجرفت أرضهم الزراعية، كانت الأم تحاول حث ابنها على الإفطار لكونه صغيرًا، لكنه رفض معللًا: "بدي أدخل الجنة من باب الريان"، لم تأخذ الأم والأب بكلامه.

 

تنتزع ابتسامة خفيفة من جوف الحزن: "حينما أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام أسر شاؤول أرون كانت فرحة وليد لا توصف، على صغر سنه".

 

 

 

المصدر / فلسطين أون لاين