تحول الرسومات إلى معلقات مطرزة بلمسة عصرية

تقرير إسراء عسقول .. بالإبرة والخيط تجمع بين أصالة الماضي والحداثة

...
WhatsApp Image 2020-07-23 at 2.04.30 PM.jpeg
غزة/ يحيى اليعقوبي:

بعد أن أدخلت الخيط في عين الإبرة .. برفق تغرزها من أسفل القطعة القماشية تاركة منفذا لمرور الخيط خلفها بهدوء ودون عائق للحاق بها ثم تعيد الإبرة والخيط من الأعلى وتعاود الكرة مرات متتالية لا حصر لها، في لغة مشتركة  بينهما وحركات متناسقة تمرر إسراء عسقول (29 عاما)  لمستها الفنية على سطح الرسمة لتضفي طابعا عصريا وحديثا على التطريز الفلسطيني التراثي، حتى بدت مشغولاتها أنيقة الشكل والمنظر.

مرت خمس دقائق؛ لا زالت تمرر الإبرة في القطعة القماشية بعد أن قطعت شوطا لا بأس به في تطريز حرف (الشين) من اسم شيماء، أمامها تفرد مجموعة من مشغولاتها نقشت على إحداها اسم فلسطين، وأخرى رسمت فيها قبة الصخرة مع خارطة بلادها المحتلة، ولوحة أخرى لبيت محاط بجدار تلتف الورود عليه، تماما كما كانت تتدلى الورود الحمراء على سقف مظلة الحديقة التي كانت تجلس تحتها.

 الساعة الثالثة والنصف عصرًا، تتسلل أشعة الشمس بهدوء من بين سقف المظلة، الورود تتشابك على العمود المجاور لها وهي تساعد بعضها بعضا على تسلق هامة المظلة، خلفها وبجانبها ورود أخرى، حتى بدا المنظر المحيط بها مبهجا.

أخيرًا .. بعد ربع ساعة تقريبا انتهت إسراء من كتابة اسم شيماء وصديقتها نداء على اسطوانة قماشية، أرادتا توثيق مناسبة يوم ميلاد إحداهن بالتطريز.

لكن هذه المرحلة هي الأخيرة في عملها، بالعودة إلى عجلة التصميم من البداية؛ ، تخط إسراء بأناملها الرسم بالقلم الرصاص على سطح القماشة ثم تبدأ بخياطة وتطريز كل أجزاء الرسمة بألوان زاهية، ثم تضعها في إطار دائري خشبي وتصبح معلقة تزين جدران المنازل والمعارض.

عندما تريد أن تكون ملفتا عليك أن تبتكر شيئا جديدًا، يجذب النظر وهذا ما فعلته إسراء بالتطريز بلمسة عصرية تحول رسومات لأشكال تمثل الواقع كذكرى الميلاد أو الزواج أو مناظر طبيعية وشخصيات بورتريه؛ بهوية تراثية مضفية لمسات عصرية على التطريز الفلاحي الفلسطيني.

تحت سن إبرتها  وبزاوية غرفتها التي اتسعت لموهبتها ومعلقاتها كانت المساحة الوحيدة التي استطاعت من خلالها إسراء عسقول إخراج لوحة فنية طرزت فيها رسوماتها لشخصيات بالخيط والإبرة الذي زاد بريقا مع عمق ارتباطه بالتراث الفلسطيني وأصالة الماضي.

لمسة عصرية

تركت إسراء - وهي من بلدة القرارة بمحافظة خان يونس -  الاسطوانة القماشية الدائرة المحاطة بإطار خشبي يغطيها من الأسفل قطعة من مظاريف "الخيش".

تقول إسراء، خريجة محاسبة وأم لطفلين، لصحيفة "فلسطين": "ما أقوم به هو تطريز بلمسة عصرية يسمى "البرازيلي" من خلال تحويل الرسومات لأشكال واقعية، لكني مزجت بين التراث الفلسطيني والتطريز الفلاحي الذي كان يقتصر على غرزة معينة على شكل "X" ويقتصر على تطريز الثوب والمعلقات".

"قمت بنفس الخيط والأدوات والإبرة، بتحويلها إلى رسومات تمثل الواقع بطريقة عصرية، بالرسم المطرز على قطعة قماش بمواصفات معينة، محاطة بإطار واسطوانة خشبية دائرية أستخدم خيوط الحرير في تجسيد الرسوم على القماش" .. تركت الاسطوانة على الطاولة بعدما انتهت من ردها.

لماذا أحببت التطريز؟ "سابقا كنت أحب التطريز الفلاحي والتراثي، وكنت أمارسه كهواية في أوقات الفراغ خلال المرحلة الدراسية الإعدادية وفي فترة الدراسة الجامعية" .. لم تنته من ردها: "ففكرت بعمل شيء جديد بتطريز الرسوم بالخيط والإبرة والشخصيات "البورتريه"".

بهذا الأسلوب تعود إسراء إلى ما قبل فترة الأربعينات في حياة الشعب الفلسطيني، وقبل صناعة آلة التصوير أو كانت محدودة الاستخدام، فكان هناك من يهوى رسم الشخصيات والمناظر الطبيعية بالتطريز، ورغم صعوبة الأمر الذي يأخذ وقتا طويلا لعدة أيام، إلا أنها وجدت شغفها الذي كانت تبحث عنه هنا، وأعادت إحياء أصالة التراث الفلسطيني.

تحدٍ مع النفس

يشدها نظرها إلى اسطوانة مطرزة بالورود، تعلق بعد ابتسامة على عملها الأول: "هذه أول طارة (اسطوانة) جربت نفسي بها، ولهذا قصة: في شهر يناير من بداية العام الحالي رأيت صورة على صفحات الانترنت، وبحثت عنها فوجدت مكتوبا أنه تطريز "برازيلي" فمزجت بين موهبتي في التطريز التراثي الفلسطيني وهذا النوع، وأحضرت القماش الخاص به وهي خفيفة تشبه في ملمسها الجلد".

تسدل الستار على ردها هنا، بضحكة وكلام عفوي: "حسيت حالي عملت شغلة ما عملتها من قبل .. فكان تحديا بيني وبين نفسي بعمل شيء جديد".

من الصعوبات التي واجهتها إسراء، أن مواد الخام غير متوفرة بشكل كاف "بتروح على محل بتاخد كمية قماش بترجع تاخد كمية أخرى بحكيلك المعابر مسكرة" تعرض جزءا مما تعاني منه، وتنحصر الخيارات أمامها: "بأضطر آخد من حدا تاني بسعر أغلى".

لكن الصعوبات السابقة ليست وحدها، تقول: "الصعوبات الأخرى هو عدم الوعي الكافي لدى بعض الناس بنوعية هذا الفن، بعضهم يعتبر ثمن أجرتي كبيرا، رغم أني أوضح أنني أطرز رسومات ليست موجودة، بمواد خام غالية الثمن، تأخذ وقتا كبيرا في تصميمها".

قطعت حديثها، وسألتها عن فترة إعداد الرسوم المطرزة، أخرجت تنهيدة ممزوجة بضحكة وكأنها جمعت بها مشقة  العمل المتعب الذي يحتاج لنفس طويل، قائلة: "معظم الوقت أسهر على تطريزها مساء لأني أم لطفلين، واحتاج للهدوء، أو استيقظ في الصباح الباكر، وقد تستغرق الرسمة ثلاثة – أربعة أيام".

تأخذنا في جولة سريعة بين بعض مشغولاتها، بدأت من جدار بيت قديم أمامه شجرة وباب بيت، تعلق: "رغبت برسم شيء من الماضي والتراث كما أن الشجر شيء مريح للنظر"، تقرأ عبارة بصوت مرتفع قليلا حتى بدت متفاعلة مع النص وهي ترفع يدها اليمنى للأعلى نوعا ما كشاعر يقف على خشبة المسرح: "يسألونك عن الجمال قل هل بعد قبتها جمال"، وتردف: "هذه اللوحة لقبة الصخرة وخارطة فلسطين تجسد ارتباطنا بفلسطين".

تمر بصوتها هنا كذلك: "سلام على أرض خلقت للسلام وما رأت يوما سلاما" لاسطوانة مطرزة باسم فلسطين فقط.

"أتدري؟! .." تقول: "تختلف طريقة عمل الغرز في طريقتي، عن الغرز والعقد في التطريز الفلاحي الذي  يعتمد على شكل (X) بينما أقوم بعمل اشكال مختلفة مثل ورق شجر، وأخرى بارزة، غرزة الوردة، المسطحة، وأشياء عدة".

"حابة أعمالي تكون في معرض وأجد من يدعمها" .. حاولت إسراء تحقيق أمنيتها لكن ظروف جائحة كورونا أرجأت انطلاق معرض سجلت للمشاركة به، وتعلل السبب: "أريد تمثيل بلدي كي يبقى تراثنا حاضرا، وأضفت لمسة  عصرية له حتى يلقى قبولا من الناس، ولدي رسومات أخرى عن حق العودة سأعرضها تجسد فلسطين والقدس".

 تركنا إسراء لتكمل رسمتها المتبقية بين جمال الطبيعية والأشجار، في وقت خفَّت فيه حدة أشعة الشمس التي ترآءت خلف الغيوم، وتفرغت إسراء لتمرير إبرتها على سطح القطعة القماشية، وتخطو أكثر نحو تنمية مهاراتها.

 

 

 

المصدر / فلسطين أون لاين