معظم الإصابات بالضفة الغربية

تحقيق حليب فيه سُمٌّ قاتل.. "البروسيلا" المرض الصامت

...
الصحفي محمد أبو شحمة أثناء إعداد التحقيق
غزة- محمد أبو شحمة

على مدار 7 أيام متواصلة عانى المواطن أحمد حسين ارتفاعًا في درجة حرارته، وإرهاقًا في أنحاء جسده، وألما في الظهر والمفاصل والعضلات، ليتبين بعد إجراء عدة تحاليل طبية أنه مصاب بمرض الحُمَّى المالطية أو داء "البروسيلا" وهو عدوى بكتيرية تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان عن طريق تناول مشتقات الحليب.

وتحمل أبقار وأغنام منتجة للحليب وموجودة في فلسطين مرض "البروسيلا" الذي ينتقل إلى الإنسان عن طريق تناوله الحليب ومشتقاته كالأجبان، وأحشاء الحيوانات دون لحومها (الكبدة، والفشة، والطحال)، أو مخالطتها، وفق نتائج عينات مخبرية ووثائق وتأكيدات رسمية وثقها مُعِدُّ التحقيق.

وتصنِّف منظمة الصحة العالمية "البروسيلا" من ضمن الأمراض المعدية التي لا يوجد لها أي لقاح علاجي متاح، إضافة إلى أن الشفاء منها يحتاج إلى رعاية طبية تمتد لبضع أسابيع أو أشهر، حسب مرحلة المرض وشدَّته.

وبحسب التأكيدات الطبية والبيطرية فإن "البروسيلا" يسبب التهابات في بطانة القلب الداخلية ويصيب الجهاز العصبي المركزي والمفاصل والطحال والكبد والخصيتين، وقد يؤدي إلى الوفاة، إن لم يتلقَّ المصاب الرعاية الصحية اللازمة.

وقد تحدث مضاعفات لدى بعض المرضى المصابين بـ"البروسيلا"، كالتهابات في بطانة القلب الداخلية (التهاب الشغاف)، والجهاز العصبي المركزي، والمفاصل، والخصيتين، والطحال والكبد، والحديث لأستاذ علم الفيروسات.

وينتشر البروسيلا بين الأبقار والأغنام بنِسَبٍ كبيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، خاصة الضفة الغربية، إذ تتصدر مدينة الخليل أعلى الأرقام في الإصابة به سنويًّا، وفقًا لتأكيدات ووثائق رسمية، حصل عليها مُعِدُّ التحقيق من وزارة الصحة في رام الله.

ووثَّق مُعِدُّ التحقيق أن الأبقار والأغنام المصابة وصلت إلى الضفة الغربية بعد شراء بعض التجار الحيوانات المصابة من الداخل المحتل بأسعار زهيدة عبر التهريب، وبيعها في الأسواق بأسعار مرتفعة، بعيدًا عن أعين السلطة الفلسطينية التي لا تمتلك السيطرة على مداخل المدن مع الاحتلال ومخارجها.

ويحرص المزارعون الإسرائيليون على تجميع الأبقار والأغنام المصابة وبيعها للمزارع الفلسطيني خشية أن تعدمها سلطات الاحتلال المتخصصة، وهو ما ينشر المرض في المجتمع الفلسطيني، ويهدد أمنه الغذائي.

ملحم: تجار ومزارعون في الضفة يهرِّبون المواشي المصابة بعيدًا عن الإجراءات الرسمية

مُعِدُّ التحقيق واجه المدير التنفيذي لاتحاد المزارعين الفلسطينيين، عباس ملحم، الذي أكَّد أن بعض التجار والمزارعين بالفعل يهربون الأغنام والأبقار المصابة بعيدًا عن الإجراءات الرسمية.

ووصف ملحم المزارعين والتجار الذين يجلبون الأغنام والحيوانات المصابة بمرض "البروسيلا" من السوق الإسرائيلية إلى المستهلك الفلسطيني، بـ"أشخاص دون ضمير وبلا وازع ديني".

ولا يسمح الاحتلال الإسرائيلي ببيع الفلسطينيين أو التوريد إليهم أي أغنام أو أبقار ذات سلالة مميزة، بل التي تتقدم في السن، والمريضة، والتي تحتاج إلى إعدام، يسوقها إلى التجار الفلسطينيين، لذا فالجهات الرسمية مطالَبةٌ بتفعيل الرقابة، والحديث لملحم.

في المقابل، منعت وزارة الزراعة في غزة استيراد الأبقار وإناث الأغنام في الوقت الذي تُسجَّل فيه إصابات كثيرة بالبروسيلا في دول المنشأ: الاحتلال الإسرائيلي، ومصر، وهو ما ساعد في انخفاض الإصابات بهذا المرض كثيرًا بين الحيوانات والإنسان داخل القطاع.

القدرة: غزة تعدم أي أبقار أو أغنام عند اكتشاف إصابتها بالمرض

وأكد وكيل ووزارة الزراعة في غزة، إبراهيم القدرة في تصريحات لصحيفة "فلسطين"، أن طواقم وزارته يحرصون على إعدام الأبقار والأغنام المصابة عند اكتشافها، إضافة إلى منع استيراد إناث الأغنام والأبقار عند ارتفاع نسبة الإصابة في مصر ودولة الاحتلال.

مخالفة قانونية

ويرجع السبب في تواصل انتشار المرض بين الأبقار والأغنام في الضفة الغربية إلى عدم قيام وزارة الزراعة بإعدام الحيوانات المصابة؛ تجنبًا لدفعها تعويضات للمزارعين المتضررين، مع اكتفائها بالتطعيم الشامل الذي لا يقضي على المرض.

ومنذ عام 1999 وحتى 2019 لم تنجح الجهود الرسمية في القضاء على المرض بين الحيوانات، وهو ما زاد من انتقاله إلى الإنسان بعد تناوله الحليب ومشتقاته ومخالطته للحيوانات المصابة.

وبحسب المادة (66) من الفصل الرابع الخاصة بمكافحة أمراض الحيوانات، لقانون الزراعة رقم (2) لسنة 2003، تخالِف وزارة الزراعة كل من لم يعدم الحيوانات المصابة بالمرض. ويلزم القانون الوزير إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا الفصل، وخاصة تشخيص الأمراض المعدية أو الوبائية وطرق الوقاية منها والاحتياجات اللازمة لمنع انتشارها، والإجراءات الواجبة لضبط الحيوانات المصابة ومعالجتها أو ذبحها أو إعدامها.

أرقام مخيفة

ويعدُّ البروسيلا من الأمراض المستوطنة في فلسطين، وفق إفادة موثَّقة لمدير دائرة الطب الوقائي في وزارة الصحة برام الله ضياء حجيجي، وضمن وثائق توفرت لدى مُعد التحقيق، إذ بلغ عدد المصابين به خلال عام 2019 الماضي، (492) إصابة، وبمعدل إصابة بلغ 9.7 حالات لكل 100,000 من السكان، الغالبية العظمى منها في الضفة الغربية، إذ سُجلت 488 حالة بمعدل إصابة بلغ 16.2 حالة لكل 100,000 من السكان، و4 حالات في قطاع غزة بمعدل إصابة 0.2 حالة لكل 100,000 من السكان.

وفي عام 2018 بلغ عدد المواطنين المصابين بمرض البروسيلا، 700 حالة في فلسطين بمعدل بلغ 15.3 حالة لكل 100,000 من السكان، سجَّلت الضفة الغربية منها 691 حالة بمعدل بلغ 26.2 حالة لكل 100,000 من السكان، و9 حالات في قطاع غزة بمعدل 0.47 حالة لكل 100,000 من السكان.

وفي عام 2017 بلع عدد الحالات المُبلَّغ عنها 894 حالة في فلسطين بمعدل بلغ 20.1 حالة لكل 100,000 من السكان، سجلت الضفة الغربية منها 887 حالة بمعدل 34.5 حالة لكل 100,000 من السكان، و7 حالات في قطاع غزة بمعدل 0.37 حالة لكل 100,000 من السكان.

وفي عام 2016 حدث ارتفاع في عدد الحالات المبلغ عنها، وبلغ عدد الحالات 1.191 حالة في فلسطين بمعدل بلغ 26.2 حالة لكل 100,000 من السكان.

وسجلت الضفة الغربية في العام نفسه من بين الحالات 1.187 حالة بمعدل 44.4 حالة لكل 100,000 من السكان، و4 حالات في قطاع غزة بمعدل 0.2 حالة لكل 100,000 من السكان.

وأكد مدير دائرة الطب الوقائي في رام الله أن استمرار تسجيل الحالات سنويًّا بالبروسيلا بين المواطنين يعود لانتقال العدوى لهم بعد تناول حليب الأغنام أو الأبقار المصابة أو مشتقاته.

وأوضح حجيجي أنه يوجد لدى وزارة الصحة برنامج تطعيم وعلاج للمصابين بالبروسيلا، إذ يُتابعون صحيًّا حتى التعافي من المرضى، وتجنب تدهور حالاتهم.

حماية المستهلك

عزمي الشيوخي، رئيس اتحاد جمعيات حماية المستهلك الفلسطيني، يؤكد أن مصدر دخول مرض البروسيلا إلى الأراضي الفلسطينية وتحديدًا في الضفة الغربية هو الاحتلال الإسرائيلي، عبر تصديره أبقارًا وأغنامًا مصابة من المستوطنات والداخل المحتل.

والأصل في القضاء على المرض، كما يؤكد الشيوخي، هو إعدام الأبقار والأغنام المصابة بالمرض لضمان عدم انتقاله إلى الإنسان.

ويعدُّ أحد أسباب سهولة وصول الأبقار والأغنام المصابة بالمرض إلى مدن ومزارع الضفة الغربية -حسب الشيوخي- المناطق المفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي، وسيطرته على كل المداخل والمخارج للمدن.

الرأي العلمي

أستاذ الأحياء الدقيقة بالجامعة الاسلامية، البروفيسور عبد الرؤوف علي المناعمة، يقول: إن استهلاك الحليب والجبن المصنوع من الحليب (الجبن الطازج) يعد المصدر الرئيس لعدوى البروسيلا في الإنسان.

وأوضح أن هذا المرض لا يزال يشكِّل معضلة على الصعيد العالمي؛ وهو المرض البكتيري الأكثر انتقالًا من الحيوانات إلى البشر في جميع أنحاء العالم، خاصةً أن الحيوانات قد تحمل البكتيريا دون ظهور أي أعراض عليها.

وتُشخَّص البروسيلا -كما يؤكد المناعمة- من خلال الفحص السريري، وإجراء التحاليل المخبرية، في حين أن خافض الحرارة والمسكنات تعالِج أعراضها، وأن التعافي من المرض يستغرق بضعة أسابيع إلى عدة أشهر.

ويضع البروفيسور المناعمة عدة توصيات للوقاية من بكتيريا بروسيلا، أهمها: الامتناع عن تناول منتجات الألبان غير المبسترة، بما فيها الحليب، والأجبان، واتخاذ احتياطات الأمان والسلامة في أماكن العمل، مثل التعامل مع العينات في المختبرات.

ومن نصائح المناعمة لعدم انتقال عدوى البروسيلا، الحرص على غسل اليدين قبل التعامل مع الحيوانات وبعده، واتخاذ الاحتياطات عند العمل معها، وذلك باستخدام قفازات مطاطية ونظارات وملابس واقية، إضافة إلى التأكد من تغطية الجروح بالضماد.

وحول الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالبروسيلا، يوضح أستاذ الأحياء الدقيقة بالجامعة الإسلامية، أنهم: كل من يستهلك الحليب غير المبستر ومشتقاته خاصة في المناطق الموبوءة، والأطباء البيطريون، ومربو المواشي، وعمال المسالخ، وعلماء الأحياء الدقيقة، والعاملون في المختبرات الطبية.

وتشبه أعراض البروسيلا، حسب البروفيسور المناعمة، أعراض الإنفلونزا، بما في ذلك الحُمَّى والخمول، والتعرق، والشعور بقشعريرة، وفقدان الشهية، والصداع، وألم في العضلات، والمفاصل، والظهر، وإعياء وخمول.

وقد تحدث مضاعفات لدى بعض المرضى المصابين بالبروسيلا، كالتهابات في بطانة القلب الداخلية (التهاب الشغاف)، والجهاز العصبي المركزي، والمفاصل، والخصيتين، والطحال والكبد، والحديث لأستاذ علم الفيروسات.

وتستمر مدة حضانة البروسيلا ما بين 5 أيام إلى 60 يومًا، وأحيانًا لعدة أشهر.

المناصرة: الوزارة بالضفة لا تعدم المواشي الحاملة للمرض لتجنُّب تعويض المزارعين

تطعيم دون إتلاف

واجه مُعِدُّ التحقيق وزارة الزراعة في الضفة الغربية، حول طريقتها في مكافحة البروسيلا، فأكد مدير المختبرات المركزية التابعة للوزارة محمد المناصرة أن الطريقة المتبعة في وزارته للتعامل مع المرض هي إجراء تطعيم شامل للحيوانات المنتجة للحليب، وعدم إعدام الحاملة لمرض البروسيلا منها، وذلك لعدم قدرة الوزارة على تعويض المزارعين لأسباب اقتصادية، كما هو الحال المتبع في دول العالم الثالث.

وينتشر البروسيلا بين الحيوانات المنتِجة للحليب في الضفة الغربية منذ وقت طويل حسب تأكيد المناصرة.

وأجرت وزارة الزراعة بالضفة -حسب مناصرة- مسحًا شاملًا بدأ عام 1999 وحتى 2018، حيث سُحِبت آلاف العينات من الحيوانات المنتجة للحليب، وثبت وجود البروسيلا فيها.

وأصبحت وزارة الزراعة تستخدم جهاز PCR، المستخدم في كشف فيروس كورونا، للحصول على نتائج من الحيوانات المصابة بمرض البروسيلا، كما يؤكد مناصرة.

مصدر المرض

الطبيب البيطري وصاحب خبرة 35 عامًا في مدينة الخليل، محمد السدر، يؤكد أن مصدر وصول مرض البروسيلا إلى المدن الفلسطينية هو "جشع" التجار، الذين يشترون الحيوانات المنتجة للحليب من المزارعين الإسرائيليين بأسعار زهيدة.

ولا تتبع وزارة الزارعة، كما يؤكد السدر، الطريقة العلمية الصحيحة في القضاء على المرض، إذ يتبع العالم طريقة واحدة للسيطرة عليه وهو إعدام الأغنام والأبقار المصابة، لكون التطعيمات لا تقضي عليها، في حين تكتفي الوزارة بالتطعيم غير المتواصل.

ويطبِّق الاحتلال الإسرائيلي، وفق حديث السدر، نظام إعدام القطيع الكامل إذا كان المرض ينتشر بنسبة 10%، وذلك بهدف القضاء على المرض وتجنُّب انتشاره، في المقابل لا تطبِّق وزارة الزارعة الفلسطينية تلك السياسة.

وأمام الحقائق التي عرضها مُعِدُّ التحقيق، فإن المئات في الضفة الغربية هم مصابون محتملون بالبروسيلا، إذ لم تتخذ وزارة الزراعة هناك إجراءً حاسمًا لإعدام الأبقار والأغنام التي تُعَدُّ مصدرًا لهذا المرض.