حوار الصيفي: خطوات "ضم" غير معلنة في الأغوار والاحتلال يدفع الناس "للتهجير الطوعي"

...
غزة- يحيى اليعقوبي

كشف مدير مركز أبحاث الأراضي بالضفة الغربية محمود الصيفي أن رؤساء الهيئات المحلية شاهدوا فِرَقًا أمريكية وإسرائيلية تنفِّذ أعمال تحديد وتخطيط مساحات الأراضي بالأغوار ورسم خرائط، خاصةً في مناطق شرق نابلس وطوباس، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن الاحتلال يحاول من خلال الضم الدخول إلى عمق 15-30 كم داخل الأغوار.

وقال الصيفي في حوار خاص مع صحيفة "فلسطين": "إن بعض المجالس القروية باتت تصلها فواتير الكهرباء من الاحتلال، وهذه أول مرة تحدث، مثل قرى زبيدات، ومرج نعجة"، متحدثًا عن تنامي الانتهاكات الإسرائيلية بحق المواطنين الفلسطينيين في الفترة الأخيرة.

وأوضح أن قوات الاحتلال تحتجز أي باقر أو جرافة أو تراكتور فلسطيني ينفّذ أي أعمال زراعية أو إصلاحية في الأراضي المصنفة (ج)، في حين نصب أبراج مراقبة لرصد أي تحركات فلسطينية في المنطقة.

وأفاد الصيفي بأن الاحتلال أصدر خلال الأشهر الأخيرة (187) إخطارًا بالهدم والإزالة للبيوت، كما أصدر قانونًا في شهر إبريل/ نيسان 2019 يعطي المواطن الفلسطيني الذي بنى بيتا "دون ترخيص"، إخطارًا بالإزالة في غضون 96 ساعة، وبحسب القانون يُمنع رفع وتوجيه القضية للمحاكم الإسرائيلية، وبعد انتهاء المدة قد يُقدِم الاحتلال على هدم البيت، كما حدث مع المواطن أحمد بنات في شهر مايو/ أيار الماضي.

وبيّن أن الاحتلال لجأ لهذا القانون لأن أراضي فلسطينية كثيرة تخضع للقانون الأردني في الأغوار، وحين يعطي الاحتلال المواطن الفلسطيني إخطارًا فإن الأخير يُجهّز ملفًا قانونيًّا ويترافع في المحاكم الإسرائيلية، التي بدورها توقِف الهدم، وكذلك تمنَع المواطن الفلسطيني من إضافة أي شيء للمنزل.

وأكد الصيفي أن التحديات التي تواجه سكان الأغوار كبيرة، تتعلق بحركة المواطن الفلسطيني، وتخوّفهم من مصيرهم المجهول في ظل الحديث عن مخطط الضم، فضلًا عن عدم السماح لهم بتوسعة الهياكل المحليَّة، ومحاربة المزارعين، وقطع المياه عن بعض المناطق، وحشرهم في بقع صغيرة وسط مساحات شاسعة لا يسمح لهم بالبناء ولا بالحركة أو الزراعة.

وأوضح أن (15%) من أراضي الأغوار يعدّها الاحتلال "أراضي دولة"، ونحو (35%) من الأراضي مطوّبة من طرف الحكومة الأردنية، لذا يبحث الاحتلال عن أي مساحات وثغرات في ملكية الأراضي -رغم وجود مُلّاك فلسطينيين لها فإنها غير مسجّلة في الطابو- لمصادرتها، ما دفع السلطة الفلسطينية أخيرًا لتسوية وتسجيل الأراضي.

متاهة وتهجير

وحول مصير السكان إذا أعلن الاحتلال عن ضم الأغوار أوضح أن الاحتلال إذا نفَّذ مخطط الاستيلاء على الضفة والأغوار لن يمنح أي جنسية للسكان، وسيكون فلسطينيو الأغوار في "متاهة" حول إذا كانت الأراضي التي يعيشون عليها ستخضع للقانون الفلسطيني أم سيطبق عليها القانون الإسرائيلي.

ويعتقد الصيفي أن الاحتلال سيضاعف الضغط اقتصاديًّا على فلسطينيي الأغوار عبر إجراءات ممنهجة، كحرمانهم من الزراعة، وفرض ضرائب أخرى إلى جانب ضريبة "الأرنونا" المطبقة في القدس، مبيّنًا أن الاحتلال يراهن على "التهجير الاختياري" الذي يدفع المواطن الفلسطيني للرحيل من تلقاء نفسه.

وأوضح أن خطة الضم تقضِي بضم (198) مستوطنة بالضفة الغربية لسيادة الاحتلال، وضم شريط من الأغوار يشكّل (22%) من مساحة الضفة، بعمق يتراوح بين (15-30 كم).

وبيّن أن سلطات الاحتلال تسيطر على (55%) من مصادر المياه في الأغوار، وتتحصّل منها على إيراد سنوي بقيمة (4) مليارات دولار، مؤكدًا أنه في حال الضم سينتهي فعليًا ما يسمى حل الدولتين وأي تواصل مع العالم، خصوصًا الأردن، بالإضافة إلى خسارة أكثر من (80%) من الأراضي الزراعية الفلسطينية.

وعن آليات المواجهة شدد على ضرورة تعزيز صمود المواطن الفلسطيني ووجوده في الأغوار، وتقديم الخدمات وتسهيلها، كنوع من وسائل الصمود، وتوزيع أراضٍ وتطويبها بأسماء مواطنين للمحافظة عليها من المصادرة.

لعنة المخططات الهيكلية

وقال الصيفي: "تمر منطقة الأغوار اليوم بظروف صعبة بسبب جائحة "كورونا"، وتهديدات الاحتلال بضمها، لكن المنطقة تشهد منذ أشهر زيادةً في الاعتداءات الإسرائيلية، تظهر في صورة أوامر وقرارات عسكرية تمنع الفلسطينيين من البناء أو إجراء أي تغيير على الأرض، واعتبار أي تجمعات سكانية غير قانونية، ونشر إعلانات لترحيل هذه التجمعات".

وأضاف أن التجمعات الفلسطينية تعاني ضيقًا في المساحة؛ بسبب المخططات الهيكلية التي رسمها الاحتلال منذ سبعينيات القرن الماضي، ولا يُسمح للفلسطيني بالبناء خارجها رغم زيادة أعداد السكان.

واستشهد الصيفي بأراضي قرى مرج غزال، والنعجة، وزبيدات التي تبلغ مساحتها (400) دونم وتقع على خط (90) بالأغوار، أما باقي المساحة فتقع ضمن مناطق (ج) "ولا يوجد مخطط هيكلي خارج هذه المساحات الضيقة رغم المساحات الكبيرة الموجودة للفلسطينيين".

وبيّن أن التجمعات الفلسطينية في الأغوار تعاني تلاصقًا شديدًا في البيوت؛ بسبب ضيق مساحة الأرض المسموح بالبناء عليها، لافتًا إلى أن القيود التي يفرضها الاحتلال على حركة المواطنين كثيرة، وأن حجم المخالفات مرتفع، حتى أن ترخيص المركبات يُحصل عليه بصعوبة.

وقال: "هذا جزء من الوضع المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون في الأغوار، فضلًا عن تصنيف الأراضي أنها (أراضي دولة)، ويمنع بموجب ذلك إقامة أي مشروع إلا بالحصول على ترخيص وهي قليلة منذ عام 1967".

تركيز الاستيطان

وحول النشاط الاستيطاني في الأغوار أفاد بأنه يتركز بمحاذاة نهر الأردن على طول خط (90) الذي يصل إلى قرى شمال الأغوار، مثل بردلة وكردلة ويخترق أراضي محافظة طوباس.

وتبلغ مساحة الأغوار نحو (1800) كيلومتر مربع، في حين يبلغ عدد القرى الفلسطينية فيها (27) قرية لها مجالس وهيئات محلية، إضافة إلى (50) تجمعًا بدويًّا صغيرًا، يعيش فيها نحو (70) ألف فلسطيني.

وأشار الصيفي إلى انتشار (36) مستوطنة على طول نهر الأردن، وتتوزع على هيئة معسكرات لجيش الاحتلال، موضحًا أن سلطات الاحتلال زرعت نحو (400) ألف دونم بالنخيل والأزهار، وأقام إلى جوارها منشآت للثروة الحيوانية.

وذكر أن أكبر المصانع والشركات الإسرائيلية المنتجة للحليب والألبان أنشأت خطوط إنتاج داخل الأغوار لوجود مزارع أبقار وأغنام هناك.

وقال الصيفي: "ليس المستوطنون هم فقط الذين يسيطرون على الأرض في الأغوار، بل هناك شركات عملاقة تسيطر على أراضٍ واسعة وتزرعها وتديرها بدعمٍ من حكومة الاحتلال".

وتشكِّل مساحة الأغوار (29.5%) من مساحة الضفة الغربية البالغة (5800) كيلومتر مربع، وهي بذلك تمثّل ثلث مساحة الضفة، والسلة الغذائية للشعب الفلسطيني، وهي مساحة سيخسرها الشعب في حال تنفيذ المخطط الاحتلالي المسمى بـ"الضم".