إدمان الفشل الفلسطيني

نقلت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) أن الرئيس محمود عباس أكدّ، في اتصال هاتفي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، استعداده "للذهاب إلى المفاوضات على أساس الشرعية الدولية، وتحت رعاية اللجنة الرباعية الدولية". (5/7/2020). ها قد عادت حليمة إلى عادتها القديمة، وكأن سبعاً وعشرين سنة من المفاوضات لم تقنع الرئيس أن المفاوضات، بالطريقة التي صمّمها وتمسّك بها، لم تصل به إلا إلى الفشل؛ لم يحصل على نتيجة واحدة أو شبه نتيجة، بل وصلت به وبالقضية الوطنية إلى نتائج كارثية، حيث اختطفت القدس، وانتشر الاستيطان، وأصبح المستوطنون يحكمون الشعب الفلسطيني وأرضه، ويستعد الأربعون حرامي للانقضاض على الغور واستكمال تمزيق الأرض وخيراتها. وما زال الرئيس يكرّر المقولة نفسها، وكأنه أصبح "سلفياً"، لا يجيد غير المفاوضات وبالطريقة نفسها. والسؤال: إلى متى سيظل الرئيس متمسكاً بهذه المقولة، وبهذا الأسلوب، بينما يواصل العدو سرقتنا ونهبنا وسلبنا؟ هل هناك من موعد زمني سحري، يقول لنا فيه الرئيس إنه بحلوله سوف يتوقف عن المفاوضات؟

وبشأن مطالبة الرئيس عباس بمفاوضات تحت رعاية اللجنة الرباعية، هل وصل إلى علمه ماذا فعل توني بلير وجورج بوش بهذه الرباعية واقتراحاتها لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي؟ وهل تقبل إسرائيل استبدال الولايات المتحدة بالرباعية ابتداءً؟ يشرح الكاتب الفلسطيني، عبد الحميد صيام، في مقال نشره في "القدس العربي" (7/7/2016) تقرير الرباعية والدور المنحاز الذي لعبه توني بلير، هذا الذي لم يرتوِ من دماء الفلسطينيين، ودماء العراقيين، في وضع شروط إقامة دولة فلسطينية، وأهمها أن يتوقف "العنف والإرهاب الفلسطيني" أولا، ثم تنسحب إسرائيل من المناطق "أ" و"ب"، ثم يعقد مؤتمر دولي لتفعيل الاقتصاد الفلسطيني. وبعد ذلك كله، يعقد مؤتمر دولي آخر لحل قضايا الوضع النهائي، والذي سوف ينتهي، في تقدير صاحب هذه السطور، إلى مفاوضاتٍ ثنائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وهكذا نعود إلى المربع الأول. هذه لغة توني بلير الذي استمر حوالي سبع سنوات يدور بنا في اروقة الرباعية، وقد أثرى على حساب دمائنا وهو يتقاضى مياومات الإقامة في فندق الكولوني في القدس، ويخرج علينا بلغةٍ صهيونيةٍ كالتي كان يقول بها شارون، وعلى الرغم من ذلك، ولا بدّ أن الرئيس يعلم، أن شارون نفسه رفض آنئذٍ، هذه المقترحات وقدم عليها 14 تحفظاً، وأهمها تدمير حركة حماس بكل أجهزتها، والاعتراف بإسرائيل "دولة الشعب اليهودي"، والتنازل علناً وبصراحة عن حق العودة للاجئين. وواضح أن الشروط التي وضعها بلير إسرائيلية، وهذا انحياز فاضح، بل إنه أشدّ عداءً للقضية الوطنية. وأضاف عليها شارون شروطه، فهل يقبل الرئيس أبو مازن العودة إلى مناقشة هذه الأطروحات المضاعفة، إذا بقي منها لدى الإسرائيليين بقايا شروط، بعد أن تمّ اكتساح الأرض واستباحة الشعب؟ وعلى ماذا سيفاوض إذا فتحت له الرباعية أبوابها؟ هل يفاوض على ما تبقى من الأرض، بعد أن تمّ تقسيمها إلى "أ" و"ب" و"ج"، وقد امتلأت الأخيرة بالمستوطنات، أم يفاوض على ما تبقى من الشعب الفلسطيني، بعد أن تمت تجزئته إلى فلسطينيي 1948، وفلسطينيي الداخل وفلسطينيي الخارج الذين تمّ إخراجهم من معادلة أوسلو، وفلسطينيي القدس وفلسطينيي النقب؟

هذا التكرار الممل والتمسك بمقولة المفاوضات ليس من الحكمة والرشاد في شيء. ولم يحاول الرئيس أو طاقمه الذي يقدّم له النصح والمشورة تطوير فكرة المفاوضات، وإضافة أدوات أخرى (غير التنازلات). ولم تحاول القيادة الفلسطينية إضافة ضغوط وأدوات جديدة، حتى تصبح المفاوضات ذات معنى، حتى التنازلات التي قدمت أخيراً (القبول بدولة منزوعة السلاح) لم تشفع للرئيس، ولم تنقذ مقولته التفاوضية. وهذا يقطع، وعلى نحو حازم، أن أداة المفاوضات قد فشلت فشلاً مدوّياً، وليس من الحكمة إعادة استخدام الأداة نفسها، بينما القضية الوطنية تتآكل باستمرار. وأكاد أجزم، أن العودة إلى أطروحة المفاوضات تدل على انعدام البدائل لدى القيادة وطاقم المستشارين، بل أصبحت حالة "إدمان" يصعب علاجه وشفاؤه.

ويجب التذكير أن رئيس الوزراء، محمد اشتية، قدّم في 9/6/2020، اقتراحاً إلى اللجنة الرباعية بإنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح، أي أنه يكرر ما سبق للرئيس أبو مازن أن اقترحه، ولم يجب أحد على أي منهما، فما القصد من تكرار مطالبة الرئيس العودة إلى الرباعية الدولية؟ أهي حالة استجداء مقيتة؟ أم حالة يأس قاتل؟ أم حالة إفلاس شديد؟ ولا بدّ من استحضار الدرس الذي تعلمناه من الإسرائيليين، وهو أنه كلما تنازلنا عن شيء يطلب الإسرائيلي مزيدا من التنازلات. إنه يدرك أنه إذا قبل الفلسطيني بمبدأ التنازلات، فلماذا لا نعصره حتى الثمالة؟ ومنذ برنامج النقاط العشر في 1974، وإسرائيل تواصل عصرها.

لقد حان للرئيس أن يعلن لشعبه، وفي موعد قريب محدّد، أنه حاول جهده وفشل، وأن أداة المفاوضات التي آمن بها لم تأت بالنتائج المرجوّة، وبالتالي يعلن، وبكل الشجاعة والصراحة التي تميّز بها طوال مسيرته النضالية، أنه يتنحّى ويسلم الأمانة إلى قيادة جديدة تتحمّل مسؤولية المرحلة التالية بأدوات وآليات جديدة. وإنقاذاً لإرثه النضالي ومسؤوليته التاريخية والتكفير عن آثام "أوسلو" وسابقاتٍ أخرى طرحها على رفاقه في مسيرة النضال، وحملهم على القبول بها (مثال نقاط البرنامج المرحلي لعام 1974)، عليه أن يدعو إلى انتخابات مجلس وطني جديد، ويعمل على شطب هذا المخلوق المشوّه المسمى "السلطة الفلسطينية" التي لم تأت من "فضائل" إلا بتوطين الفساد، والعودة إلى منظمة التحرير التي هي الوطن المعنوي لكل الفلسطينيين.

ولا بدّ من القول إنه إذا لم يبادر الرئيس أبو مازن إلى اتخاذ خطواتٍ لإنقاذ المشروع الوطني بانتخاب مجلس وطني جديد، قبل أن تجهز عليه ذئاب الصهيونية وثعالب الإمبريالية الأميركية، فإنه سيكون عرضةً لشبهاتٍ واستنتاجاتٍ لا تليق به وتاريخه النضالي، ليس أقلها ما كتبه الأكاديمي الفلسطيني وليد عبد الحي، استناداً لقراءته مذكرات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندوليزا رايس، وقد لخصها بحرفية عالية، حيث أورد أن رايس تروي أن الرئيس بوش (الابن) توصل إلى قناعة مع شارون، مفادها أنه لا حل لدولتين بوجود ياسر عرفات، ويجب التخلص منه، محذراً شارون من استخدام أداة الاغتيال للتخلص من عرفات، ثم بدأ الحديث عن بديل ووقع اختيارهما على محمود عباس. هل تلقي هذه الرواية الرعب في قلب أبو مازن، ويريد النجاة برأسه؟

المصدر / العربي الجديد