القانون الدولي و"الضم".. الشعب الفلسطيني "لا يستطيع التنفس"

يستدعي إعلان دولة الاحتلال عزمها تنفيذ مخطط ضم أراضٍ في الضفة الغربية؛ إلى الذهنية الفلسطينية متوالية المعاناة التي ما تزال تجتر ذاتها على مدى عشرات السنين، بأشكال وصنوف مختلفة، وطرق تعامل القانون الدولي مع القضية الفلسطينية، وأسباب غياب العدالة في استرداد الحقوق المسلوبة.

سبب الاستدعاء تبرره الجدلية الواسعة التي تثيرها مسألة الإقرار بحقوق الفلسطينيين على أرضهم، ومواردهم، وحقهم في تقرير مصيرهم، ليقود بالتالي إلى تساؤلات جوهرية تطرح نفسها بإلحاح حول جدوى القانون ما دامت العدالة على الأرض لم تتحقق، ولماذا تضيع الحقوق في حين تحتكم شعوب ودول العالم للمنظومة القانونية الأممية ذاتها؟

في إطار حالة الجدل هنالك رأي يفيد بأن المشكلة تكمن في طريقة تفسير النص القانوني وتأويله، مدللين على ذلك بعدم إمكانية رفع دعوى قضائية والوصول للعدالة في محاكم الاحتلال على سبيل المثال، فيما يرى البعض بأن الحاجة تقتضي عدم الارتكان للقانون دون المضي في تكوين حالة أو برنامج سياسي واضح، يكون من أهدافه توظيف القانون وتسخيره للوصول إلى الحقوق، وليس العكس.

وهذا لا ينطبق فقط على قضية الأرض، وما يتعلق بمسألة مخطط ضم أراض في الضفة الغربية، بل بقضايا حقوق الإنسان، والمفهوم الأكثر شمولية المتعلق بحق تقرير مصير، وفي النهاية لا يمكن الخروج عن فرضية الخضوع للقانون، وأداء هذا القانون لدوره الإيجابي في إقرار الحقوق، حتى وإن لم تتحقق العدالة، وإن لم يسر العاملان السياسي والقانوني في السياق ذاته.

وتثبت التجربة الفلسطينية أنه لا يمكن التعويل بكل شيء على العامل القانوني، وإن كان إحدى الأدوات والوسائل المهمة في المطالبة بالحقوق، والتشبث بها، طالما أن الموازين السياسية ما تزال لا تخدم القضية وأصحابها، ما يثبّت حقيقة أن للقانون خصائص المرونة التي يكتسبها من خلال أداء مستخدميه، وحنكتهم، وقدرتهم على المحاججة.

وفي مجال القانون الدولي، وقوانين حقوق الإنسان، يلعب العامل السياسي دور مانح القيمة لشكل تطبيق القانون، ما يؤكد ضرورة امتلاك الفلسطينيين إطارا سياسيا حقيقيا يعمل على تجنب الوقوع في منزلق تنازعية وتنافسية الحقوق مع الاحتلال.

تناول أهمية ونفع القانون بالنسبة للقضية الفلسطينية، والعديد من قضايا التنازع في العالم، يقود إلى التعرض للعديد من الجوانب منها تاريخ تطور القانون الدولي الذي مر بمراحل عدة، بدأت بإيجاده على أيدي القوى الغربية، وغالبيتها من القوى الاستعمارية، بهدف إبقاء هيمنتها على الدول المستعمَرة، واستمرار استغلال مواردها الطبيعية، ليأتي دور القانون الدولي من أجل ترسيخ العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، ومنع الشعوب من تقرير مصيرها الاقتصادي والسياسي، عبر التحكم في آليات تطبيق القانون وإنفاذه، على رأسها مجلس الأمن الذي تهيمن عليه القوى المذكورة، حيث يبدأ القانون وينتهي داخل قاعة المجلس إذا ما تعلق الأمر بمحاسبة دولة عضو "عظمى"، أو كيان مدعوم من القوى العظمى، كحال الكيان الصهيوني، لينتهي الأمر بإحباط محاولة المحاسبة.

الحديث حول "محكومية" القانون الدولي يفتح باب الجدل حول عملية شائكة من الأساس، تحتاج لتكثيف وتمحيص في العرض، إلا أن ما يهمنا في جزئية علاقة القضية الفلسطينية بالقانون الدولي، هي حالة التدحرج المتسارعة التي أدت إلى "التبخيس" في قيم القانون، والتعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، كالجدار العازل، ومصادرة الأراضي والتمدد الاستيطاني مثلا، كانحرافات في سلوك السلطات الإسرائيلية، وليس لطبيعته ككيان مغتصب للأرض، ومشرِّد لأصحابها، ومرتكب للمجازر والفظائع على مدى عقود من الزمن، ودون توقف.

إلى حين تشكيل أو إعادة هيكلة إطار سياسي فاعل يوحّد الشعب الفلسطيني تحت رايته، ويسير بشكل متوازٍ مع العامل القانوني، من أجل خوض معاركه السياسية والدبلوماسية والقانونية، وتبني أشكال المقاومة المشروعة، سيظل الفلسطيني في حالة الترقب والقلق تجاه هذا التدهور السريع في مستوى أخلاقيات القوى الداعمة لدولة الاحتلال، في مرحلة تسعى فيها هذه القوى لتكريس واقع جديد يسعى لزج القضية الفلسطينية في مزادات التنازلات المهينة، والتجريد من الحقوق عنوة، بغية إعادة ترتيب المنطقة بحسب رؤية دولة الاحتلال والقوى التي تقف خلفها، لصالح الكيان الغاصب.

الواقع الجديد لم يعد يترك مساحة للفلسطيني للحلم بشكل الكيان الوطني المستقل، أو بدولة تُرضي شغف الكثيرين بشيء من الاستقلال، ترفع علمها الوطني، وتصدر جوازات السفر، لتتحول معها مخاوفه إلى إمكانية استمراره في الوصول لأرضه كي يزرعها، ولزيارة أقربائه في الحي المقابل دون أن تقطع حدود مخطط الضم الجديدة أوصال مدن وقرى وأحياء الضفة الغربية.

في أريحا المجاورة لغور الأردن، سلة غذاء الضفة، كما بقية مناطق الضفة الغربية، يضع الفلاح يده على قلبه خوفا من عدم تمكنه في حال تنفيذ مخطط الضم من الوصول لأرضه وري مزروعاته، بعدما يتبلور الواقع الجديد الذي يجسد التمييز العنصري بأبشع صوره، من خلال التفريق بين شعبين يعيشان في مساحة الأرض نفسها، تحكمهما الدولة ذاتها، إلا أن الحقوق لن تكون متساوية، حينها سيصبح الفلسطينيون في وطنهم أقرب لرعايا دولة أخرى، يتم التعامل معهم كالأجانب أو الوافدين الغرباء، وبحقوق غير متساوية مع الإسرائيليين.

وفي هذه الحالة، لسان حال الشعب الفلسطيني سيقول: "لا أستطيع التنفس"، وأقتبس هنا آخر ما تلفظ به "جورج فلويد" الذي قضى نتيجة دوافع عنصرية في الولايات المتحدة، بعد أن يُجبر الفلسطيني على التعايش مع هذا الكم الهائل من القهر، وبعد تخلي المجتمع الدولي عنه، بكل أنظمته وقوانينه وتشريعاته التي تحكمه، متنكرا لمعاناة الفلسطينيين، ونضالهم من أجل استرداد حقوقهم طيلة عقود طويلة مضت.