فقدها أو عدم إعادتها له "ممنوع"

يحتفظ بكل أعدادها.. "أبو جهاد" و"فلسطين" "عِشرة عُمر"

...
أبو جهاد يتصفح صحيفة فلسطين اليومية السياسية الشاملة (تصوير/ محمود الهندي)
غزة- نبيل سنونو

كنسمات هواء عليل يستنشقها صباحًا مع كلِّ رشفة قهوة، يستقبل كمال أبو هاشم أعداد صحيفة فلسطين يوميا، "مُحتضنًا" صفحاتها في غرفة خصصها للاحتفاظ بنُسخها بدءا من العدد الأول الصادر في الثالث من مايو/أيار 2007.

فور وصول العدد الجديد، ينطلق به الغزي "أبو جهاد" الذي جعل لفلسطين الوطن نصيبًا من كنيته، نحو الغرفة التي يجد فيها "دنياه" وعالمه الخاص، فهي تمثل له ماضيًَا وحاضرًا ومستقبلا، بما عاشه معها ولا يزال من أحداث عبر 13 عاما.

"غذاء لروحي، ورمز، وأنيس... يعجز اللسان عن الوصف"؛ يحار أبو جهاد في شرح علاقته بقراءة الصحيفة التي أصبحت رفيقة لأيامه وأعوامه، بعد أن كان قطاع غزة يخلو من أي صحيفة تصدر فيه يوميا.

بصوت حَانٍ كرجلٍ يصف علاقته "المقدسة" بصديقه، ينسج كلماته: "حافظت على قراءة صحيفة فلسطين طول عمري، بتثقف وبتعلم منها، وأحيانا اللي عندهم نت وفيسبوك بيلاقوني عارف تفاصيل الموضوع بدقة بيسألوني كيف؟ ما أنا بقرا كل اشي في الصحيفة".

اشتعل رأسه شيبا بعد 50 عاما مضوا من عمره، تبدو كل شعرة منها وكأنما تمثل واحدة من خبراته في هذه الحياة، يغرسها في أبنائه ومنهم: جهاد الذي يدل اسمه على نضال الفلسطينيين، وجواد، وهاني.

سرّه اسم الصحيفة فهو وطنه الذي يرتسم حلم تحرره في نظراته كلما مدّها نحو بستان مُزهر يؤدي إليه أحد أبواب الغرفة التي تحتضن "فلسطين".

"يُبقي اسمها فلسطين دائما في الذاكرة والوجدان، وخاصة اللون الذي تعتمده لنفسها الأزرق السماوي يريح القلب"؛ يروي أبو جهاد للسامعين حبه لفلسطين: الوطن والصحيفة.

لكن الصحيفة لا تلقى فقط اهتمامه وحده، ولكنها نجحت في الوصول إلى عقول وقلوب زوجته وأبنائه.

يروق لأم جهاد صفحات الأسرة والمجتمع التي لا تغيب عن "فلسطين"، وتشدّها موضوعات المرأة والطبخ التي تتميز فيها الصحيفة لاسيما في شهر رمضان.

أما ابنهما هاني الذي يشق طريق النجاح في المدرسة، فينهمك في حل الألعاب الهادفة: سودوكو، الكلمات المتقاطعة، الكلمة الضائعة وغيرها مما تحتويه صفحة الاستراحة.

يشيد الرجل الخمسيني بتنوع مضمون صحيفة فلسطين، الذي شجّع ابنه جهاد على المضي قدما في الكتابة الرياضية، حيث أثرت صفحات الرياضة ثقافته.

15.jpg
 

بحماسِ لاعبٍ يهرول نحو المرمى لقذف الكرة في وسطها وإحراز هدف، يقول جهاد: صفحات الرياضة مثيرة لإعجابي، ولطالما تعرفت من خلالها على نتائج المباريات، ومواعيدها، وتفاصيلها، وهذا غيض من فيض.

واتساب وفيسبوك وتليجيرام ومنصات الإعلام الجديد الأخرى هي ميدان أيضًا لعمل صحيفة فلسطين حيث واكبت الثورة التكنولوجية وأنشأت منصات لها هناك، إلى جانب موقعها الإلكتروني "فلسطين أون لاين"، الذي يمثل مع منصات الصحيفة، مصدر معلومات وأخبار ابنه الشاب جواد.

وكلما توارد إلى مسامعه حديث بين الناس، لجأ جواد إلى الصحيفة وذراعها الإلكتروني للتأكد.

لكن أبو جهاد يفضل قراءة الصحيفة من العدد الورقي، مُرجعا ذلك إلى حبه للقراءة من الورق والكتب، ومخاوفه من تأثير الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية كالهواتف النقالة وغيرها على صحته.

بنظرة عميقة يدلل بها على أهمية القراءة، يقول: "لا يجب أن يعزف الناس عن ممارسة القراءة، أو أن يثنيهم عنها وجود فيسبوك وتويتر وغيرها؛ فهي تغذي العقول، بينما تعج تطبيقات ومواقع الإعلام الجديد بالكثير من الوهم".

"المصداقية سمة دائمة في صحيفة فلسطين"؛ يقول أبو جهاد الذي استقى المعلومات من تغطية الصحيفة لأحداث لا ينساها الغزيون منها ثلاث حروب عدوانية شنها الاحتلال على قطاع غزة، ومحطات المصالحة، وأساطيل الحرية، وغيرها الكثير، فضلا عن ملفاتها الأسبوعية التي دأبت على إصدارها كل أحد وأربعاء وجمعة.

ليس ذلك فحسب –يتابع كلامه- فالصحيفة التي تمثل وثيقة تاريخية مهمة وموثوقة، هي أيضًا وسيلة ضرورية لنشر الإعلانات الرسمية وما يتعلق بالمحاكم وغيرها، ويستفيد المواطنون من متابعة إعلانات المؤسسات والوزرات التي تقدم خدماتها لهم على أصعدة مختلفة.

وبابتسامة عريضة يعبر عن شكره للصحيفة، التي كانت قد فتحت الباب أمام قرائها لنشر إعلانات فقد الهوية مجانا، حيث استثمر الفرصة وأبلغ عن فقد هوية والدته آنذاك.

ولكونه متابعا وأسرته للمسابقات التثقيفية في مجالات الرياضة والاجتماع والدين وغيرها، فقد شارك أبو جهاد بها، وحظي بالفوز في بعضها.

4.jpg

مقابل ذلك وما يجنيه من فائدة معرفة وثقافية وعلى أصعدة مختلفة، يغمر "صديق فلسطين" الشعور بأنه لم يدفع يوما ثمنا للحصول على أعدادها، ويبلغ "شيقل واحد فقط" لكل منها؛ فكأنما حصل عليها مجانا.

بعد حديثٍ بدا وكأنما يدور عن "حبيبٍ له"، شرد أبو جهاد بذهنه نحو أعداد صحيفة "فلسطين" التي يحتفظ بها جميعا، قائلا: "أحيانا بعض الأقارب يعرفون أن لدي عدد يريدونه ويسألونني عن تاريخ معين فأبحث لهم عنه لأنني أحب أن أخدم الناس، لكن بشرط إعادتها وأخبرهم بأن فقدها ممنوع بالنسبة لي".

من أسباب ذلك كما يوضح أبو جهاد اعتزازه بالصحيفة، فضلا عن أنها تكتب بالعربية الفصحى، لغة القرآن الكريم.

"تجمعني مع الصحيفة عِشرة عمر، وبدونها أشعر بأنني وحيد..."، يتمم أبو جهاد حديثه بينما يتفقد أعداد الصحيفة، كأنما يربت على كتف ولده!

15.jpg