حيَّ على إصلاح البيت الفلسطيني

يُصرّ الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ومن معه، على التمسك بوحدانية منظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًّا لمجموع الشعب الفلسطيني، ناسين أو متناسين كيف قسّمت مخرجات اتفاق أوسلو الفلسطينيين إلى شعوب وقبائل، تفصل بينها الجغرافيا الطبيعية والأجندات السياسية والهموم اليومية. لم يعد الكل الفلسطيني على قلب رجل واحد كما كان يوماً ما، إذ باتت هموم فلسطينيي الضفة مرتبطة بالراتب والقرض البنكي والجري وراء مكاسب المناصب داخل سلطة الحكم الذاتي، فيما بات فتح معبر رفح أقصى أماني مواطني غزة، وانصرف فلسطينيو الداخل إلى صراع مع الإدارة الإسرائيلية على الحقوق المدنية والخدمات البلدية، وتاه خارج حدود فلسطين التاريخية نحو ستة ملايين فلسطيني بين مطارد خارج مخيمه، وملاحق في لقمة عيشه، وآخر باحث عن جنسية وملجأ خلف البحار. لم تعد منظمة التحرير، المُغيبة منذ ربع قرن، قادرة على تمثيل كل هذه المجاميع الفلسطينية، سيما وأن آخر انتخابات للمجلس الوطني الممثل للسواد الأعظم من الفلسطينيين جرت قبل 14 سنة.

وإذا كان الرئيس الفلسطيني ومن معه، من الممسكين بالقرار الفلسطيني، والمتفرّدين به، يهتمون حقاً بوحدانية المنظمة وشرعية تمثيلها الكل الفلسطيني، فما عليهم إلا الاستجابة الإيجابية مع النداءات المتعالية داخل البيت الفلسطيني، والمطالبة بخطواتٍ عمليةٍ لإصلاح مؤسسات منظمة التحرير، وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية تمثل المجموع الفلسطيني. جديد هذه المبادرات تم الإعلان عنها قبل أيام، وتبناها مئات من مثقفي الشعب الفلسطيني، ونخبه الأكاديمية والإعلامية والسياسية والاقتصادية داخل فلسطين التاريخية وخارجها. لا تطلب المبادرة، المستقلة وغير الفصائلية، المستحيل، وإنما أدنى الممكن في الزمن الصعب، "انتخاب مجلس وطني فلسطيني، باعتبار ذلك الخطوة الأولى لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، لاستعادة دورها ككيان سياسي يعبر عن الشعب الفلسطيني، في كافة أماكن وجوده، وكقائد لكفاحه، على قواعد وطنية وكفاحية ومؤسسية وتمثيلية وانتخابية".

الحاجة لجسم فلسطيني مُوَحد ومُوِحد تتضاعف، في ضوء تغوّل المشروع الصهيوني - الأميركي عبر خطة "صفقة القرن"، الرامية إلى تصفية قضية فلسطين وشعبها، وتشريع الاستيطان وتهويد القدس. ومثل هذه النداءات ليست خارجةً عن الحاجات الفلسطينية المُلِحة، بل تنسجم مع تحلل القيادة الفلسطينية من جميع الاتفاقيات مع (إسرائيل) والولايات المتحدة. وهي دعوةٌ تنطلق أيضا من التأكيد الجمعي الذي لا خلاف عليه حول التمسّك بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا لشعبها. تستمد هذه الدعوة من داخل البيت الفلسطيني مشروعيتها من ضرورة إعادة بناء منظمة التحرير، على قاعدة رؤية وطنية جامعة، تستعيد التطابق بين قضية فلسطين وأرض فلسطين وشعب فلسطين، بالانطلاق من وحدة شعب فلسطين في أماكن وجوده كافة، وبالتحول من استراتيجية الصراع من أجل جزء من الأرض، فقط، إلى الكفاح من أجل الأرض كلها والصراع على الحقوق الوطنية، والحقوق الفردية والجمعية للفلسطينيين.

كلنا أملٌ أن يتجاوب الرئيس الفلسطيني مع هذه النداءات البناءة، ويباشر، مع رئاسة المجلس الوطني، بإعداد الترتيبات لانتخابات مجلس يُمثل الشعب الفلسطيني، قادر على مواجهة ما يُخطط ويُنفذ من مشاريع تصفية الحقوق الفلسطينية. سيكون من العبث مقابلة الدعوات الصادقة والمخلصة بمسلسل آخر من التخوين أو التشكيك، فهذه النداءات لا تسعى إلى الالتفاف على مشروعية منظمة التحرير، ولا تهدف إلى النيْل من وحدانية تمثيلها المجموع الفلسطيني، وإنما تنادي بضرورة إصلاح البيت الفلسطيني، وتمتين جدرانه. من غير المقبول استمرار التشرذم الفلسطيني، بين غزة وضفة، خارج وداخل، داخل أراضي الـ48 وخارجها، وإن كانت الأجندات الضيقة مزّقت المكون الفلسطيني، فالأجندات التوسعية للاحتلال الصهيوني تستهدف الجميع، الصامدين في الداخل، والثابتين في الضفة وغزة، والمشرّدين القابضين على مفاتيح العودة من منفىً إلى آخر.

لن يقوى الرئيس الفلسطيني على مواجهة مشاريع الضم والتطبيع وتصفية الحقوق الفلسطينية، بكعب أخيل، من دون الاستناد إلى قاعدةٍ شعبيةٍ عريضةٍ، وجبهة داخلية متماسكة، تمثلها مؤسساتٌ شرعيةٌ منتخبة، تتبنى استراتيجية مُقاوِمة قادرة على استنهاض كل الطاقات الفلسطينية من جديد.

المصدر / العربي الجديد