إكرام وإسماعيل.. ارتباط اخترق الزنازين وأزهر وراء القضبان

...
غزة-يحيى اليعقوبي

للحظات ألقى الصمت بأوتاده داخل الغرفة بعدما هربت دمعة من عيني "إكرام" (33 عامًا) رغمًا عنها وتبعتها أخريات، حينما وضعت شقيقة خطيبها الدبلة في إصبعها بدلًا منه، فالعريس هنا أسير داخل سجون الاحتلال منذ عام 2002، ويتبقى له 18 شهرًا ليتنسم عبق الحرية، في هذه اللحظة كانت إكرام حاضرة بجسدها لكن روحها ترنو إلى خطيبها، تمني النفس لو كان هو من ألبسها الخاتم.

على الأغلب كل ما كانت تعرفه إكرام عن الأسير إسماعيل أبو عيشة (45 عامًا)، اسمه وسنوات حكمه، ومعلومات عن أسره، أو صورة له، وأنه ابن قريتها "بيت وزن" وابن العائلة نفسها الذي لم ترَه.

الغرفة تعج بالحاضرين من العائلتين، لم يستمر الصمت طويلًا، مسحت إكرام دموعها، وأطلقت الزغاريد عندما قال شقيقها لشقيق العريس: "زوجتك موكلتي لموكلك"، في مشهد اختلفت فيه مراسم الارتباط بسبب الاحتلال، لكن لم يغب عنه مشهد إعلان الانتصار، هنا وهناك في السجن كذلك عم الفرح بين الأسرى.

لكن سبق هذا المشهد قصة ارتباط، استطاعت هزيمة كل شيء، لم تقف السجون عائقًا أمامها.

البداية؛ إكرام صحفية مهتمة بمجال الأسرى، من قرية بيت وزن غرب مدينة نابلس، التي ينحدر منها الأسير إسماعيل، ومن الطبيعي أن تتواصل مع الأسرى وتنقل تفاصيل معاناتهم للعالم، كانت نقطة الالتقاء بينهما حينما تواصلت مع أسير بسجن النقب، وكان بنفس زنزانة إسماعيل، وأخبرها أن صديقه الأسير من نفس قريتها "بيت وزن".

مرت عدة أيام، اتصلت إكرام، لمعرفة إن كان هناك أحداث أخرى، حدثت الأسير، ثم عرفها بابن قريتها "إسماعيل"؛ الذي كان يحب ريحة بلدته ويحب معرفة تفاصيل الحياة فيها! فسألها عن سكانها، وجبالها، وأشجارها، وكل شيء سرقه السجن منه.

 كانت "إكرام" تستمع لأسير غيبه الاحتلال قسرًا عن بلدته منذ 2002م، تسمع بين ثنايا كلماته حجم هذا الشوق، فوعدته بإيصال سلامه والاتصال به لمعرفة أخبار الأسرى.

مصادرة الهاتف

بعد فترة من الزمن، اقتحمت قوات الاحتلال سجن النقب، وصادرت الهاتف المهرب؛ وانقطع الاتصال بين إكرام وإسماعيل منذ بدايته، واستمر الانقطاع لسنتين ونصف، حاولت الوصول إليه للإيفاء بوعدها، لكن دون جدوى، إلى أن قابلت شقيقته في أحد الأعراس، وطلبت بلهفة وخجل: "كيف ممكن أصل لإسماعيل، لأني تواصلت معه قبل هيك عشان أعرف أخبار ومعلومات عن الأسرى".

مر يومان؛ اتصلت شقيقة الأسير بها، وأحضرت لها رقمًا للتواصل، وروت لها قصة اقتحام السجانين ومصادرة الهاتف، تقول: "استمر التواصل بيننا من فترة لأخرى، عرفت فيها إكرام ظروف أسره، والكثير عن حياته؛ لكن إسماعيل الذي كان يرفض فكرة الارتباط داخل السجن خاصة أنه تبقى له 18 شهرًا لإنهاء محكوميته، غير قناعته، ورأى في إكرام شريكة حياة.

خلال تلك المكالمات، روى لها عملية أسره:

15 إبريل/ نيسان 2002م، قوة من جيش الاحتلال تقتحم بلدة بيت وزن تقترب من منزل عائلة "أبو عيشة"، يوشك إسماعيل على القفز عبر سور المنزل، قبل أن تناديه والدته: "برضاي عليك ما تطلع"، وطمأنته: "مش جايين الك"، استجاب لكلام أمه، لكن بقيت هواجس تسيطر عليه: "بس لو جايين الي عمرك ما حتشوفيني".

ولعل الأم كانت تراودها مخاوف أن تقتل قوات الاحتلال ابنها، وقد انتهى به المطاف في الأسر، حيث إنه الوحيد الذي لم تفرج عنه من بين أفراد الأسرة.

في أحد الاتصالات، ترك إسماعيل الإجابة عن الأسئلة المتكررة من إكرام، وفاتحها بأمر الارتباط من دون مقدمات: "أنا بالسجن وأكبر منك، وضايلي أكتر من سنة ونصف.. مش راح ألاقي أحسن منك إذا بتقبلي الارتباط بي"، كان كلامه مفاجئًا لها، لكنها في الوقت نفسه كانت تمني النفس بالارتباط بأسير ضحى لأجل وطنه، خاصة أنها تؤيد فكرة "ارتباط الفتاة بأسير"، فوافقت.

 خشي أن تكون الموافقة نابعة من العاطفة، وطلب منها التأني، لتجيبه: "صحيح أني مهتمة بالأسرى؛ لكن في الزواج لا يوجد عاطفة"، وأقنعته بردها: "لو متعاطفة معك كان تعاطفت مع غيرك".

"كنت دائمًا أمني النفس بالارتباط بشخص لديه انتماء وطني، رغم أنني كنت أندهش من نماذج الصبر، كخطيبة الأسير حسن سلامة، كيف تنتظر أسيرًا محكومًا بالمؤبد".. ورغم هذا الاعتراف إلا أنها أيقنت أنهن يحملن فكرة "نبيلة"، وشجعها على الموافقة أن "إسماعيل" صاحب قضية ثابت عليها، يمدحه الناس، وإنسان طيب".

الزيارة الأولى

مرت ستة أشهر على الخطبة حتى استطاعت إكرام بواسطة الصليب الأحمر زيارة إسماعيل للمرة الأولى، وصلت عتبات السجن بعد رحلة استمرت أربع ساعات، صحيح أنها سمعت عن معاناة أهالي الأسرى لكن ما رأت يختلف عمَّا سمعت، إلى أن حملتها قدماها وقلبها وقابلت إسماعيل لأول مرة من خلف الزجاج العازل.

حرم الخطيبان من مشهد المصافحة، فظل الزجاج عازلًا بينهما، تركت إكرام كل شيء وألقته خلف ظهرها، وسألته: "كيف شايفني؟"، في الحقيقة هذا ما شغل بالها، ليبرد قلبها ويوقف انشغالاتها برده: "بالعكس أنت أحلى من الصورة بكتير "، وزاد في الرد: "وأنت بكل حالاتك بشوفك أحسن وحدة".

في الزيارة الثانية عاشت إكرام خلال الطريق ما لم يخبرها به أحد، ترحل بصوتها إلى ذلك اليوم: "ذهبت في الحافلة مع أهالي الأسرى، ولأول مرة أركب حافلة بها زجاج دون نوافذ، ويعتمد على التبريد في التهوية، كان الأمر طبيعيًّا حتى انقطع التبريد وشعرنا كلنا بالاختناق والتعب، يومها شعرت أنني لم أكتب شيئًا عن الأسرى، فبكيت، وخشيت أن يموت أحدنا بسبب الاختناق".

أجبرها الموقف على الضحك: "ما إن وصلت السجن، نسيت أن أضع الأموال في الكنتينا، فذهبت إلى إسماعيل وانهرت بالبكاء بسبب ما حدث، لكنه هدأ من روعي، واعتذر لي لأنه تسبب بهذه المعاناة".

"الزيارة اللي مدتها 45 دقيقة كانت بالنسبة الي شيء كتير مهم".. لم تهتم إكرام بتعب الطريق، وطول المسافة، ولا إجراءات التفتيش، كانت تريد استثمار كل زيارة وفرصة، لمعرفة شخصية خطيبها من كثب.

طوال هذه المدة طلب منها إسماعيل الإشراف على بناء منزلهما، وفعلت ما طلب، لكنها أجلت شراء الأثاث كي يتشاركا في اختياره.

حتى حان موعد الإفراج..

15 إبريل/ نيسان، 2020م، تاريخ يفصل بين الألم والأمل، والحزن والفرح، توقفت سيارة الإسعاف التي أقلت الأسير إسماعيل، كانت عدسات كاميرات الصحفيين ترقب مصافحة الخطيبين لأول مرة، لكن حتى هذه اللحظة حرما منها بسبب الإجراءات الاحترازية من فيروس "كورونا"، لم يحظَ الصحفيون بصورة اللقاء المنتظر والذي اقتصر على تبادل أكاليل الورد، ليعود كل صحفي بقصة وفاء الفتاة إكرام للأسير إسماعيل، ولم ينسَ الخاطبان رفع شارة النصر التي ظفر بها المصورون كذلك.

"شعور التحرر، فرحة لا يمكن وصفها، فوجوده بيننا لا يقدر بثمن والآن نستعد للزواج في 16 أغسطس/ آب القادم، عشنا أجواء رمضان والعيد معًا، واستطاع إسماعيل العودة لأجواء الحياة تدريجيًّا ويتعرف على كل ما حرم منه"؛ بها أسدلت إكرام الستار على حديثها.