في الذكرى الثالثة والخمسين للنكسة، ماذا تبقّى؟؟

كان من الطبيعي أن تُنكب الأمة في فلسطين وسقوط القدس، في زمن الخضوع العربي وسيطرة الشرق والغرب على مقدرات الأمة وفكرها وسياساتها، وانسلخت الأمة عن هويتها وتراثها، وغاب دورها الذى وجدت من أجله لتكون خير الأمم والشاهدة عليها، ضيّعت كل شيء ولم يعد الحديث عن الأمجاد يعني شيئًا، لأن جزءاً رئيسًا من عقيدة الأمة وتاريخها وحاضرها يضيع وهى تنظر مشدوهة..

ضاعت فلسطين التي مثّلت دائما ولا تزال جوهر الصراع الكوني بين الحق والباطل ... والتاريخ يعيد نفسه منذ سقوط الخلافة العثمانية، عندما سيطرت أنظمة حاكمة ومرتبطة بأجندات أجنبية ما قبل مرحلة التحرر العربي من الاستعمار الغربي وما بعده وحتى ما بعد ثورة الربيع العربي الذى كرّس الصراعات بين مكونات الأمة، لا ينبغي أن نتحدث عن ماضٍ قد انتهى ونحن نبكى على حاضر أسود مقيت في مرحلة لم يعد فيها مكان للضعفاء إلا أن يكونوا عبيدا ... مرحلة سوداء قاتمة ليس لها حدود من الانكسار والتراجع يصنعها العرب بأيديهم..

تحدثنا عن نكبة الأمة الأولى في أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين عام ١٩٤٨، ثم كانت نكبة الأمة الثانية (النكسة) في القدس والأقصى في الخامس من حزيران عام ١٩٦٧ عندما أصمَّت آذاننا أنظمة العسكريتاريا القومية والثورية والتقدمية وصدقناهم أنهم على وشك إعادة أرض فلسطين التي ضاعت، وإذ بنا نفقد فلسطين كلها وجزءا من أراضي الدول العربية المجاورة  لتكون النكبة الثانية عام ١٩٦٧م الصدمة الكبرى للأمة في العصر الحديث وقد أُستبيح المقدّس..

واليوم نشهد جميعا تغولا صهيونيا غير مسبوق على الأرض لأن هناك مشروعا صهيونيا تم تخطيط معالمه جيدا منذ أكثر من مئة عام بإسناد ودعم الغرب وأمريكا بدون أي قوة رادعة وإنما هي بروبوغندا قولية رافضة لا يمكن أن تؤثر على مضى الاحتلال في ممارسة جرائمه ضد الشعب الفلسطيني. وللأسف الشديد لم يكن هناك استخلاص للعبر في نكبة ١٩٦٧ لا على مستوى أمتنا العربية التي ازدادت تراجعا وانبطاحا لأمريكا وربيبتها دولة الاحتلال التي انجرفت أنظمتها الحاكمة للاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني، ولا على المستوى الفلسطيني الذى تجاوز مرحلة التحرر والثورة والطموح نحو تحقيق الثوابت إلى مرحلة سبقت فيها منظمة التحرير الكثير من الأنظمة العربية بالاعتراف بشرعية العدو عبر اتفاقيات وُقعت بين صاحب الحق الحقيقي والمحتل الغاصب..

والقبول بالحكم الذاتي الذي لم نستطع حتى نيله من أجل الوصول إلى دولة على حدود الـ٦٧... والآن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة كما يقول المثل الفلسطيني ... تبخر كل شيء بعد ثلاثة وخمسين عاما من النكبة الثانية وستة وعشرين عاما من تسوية سلمية فاشلة ... ضاع حلم أبي عمار رحمه الله في دولة على حدود ٦٧ وعاصمتها "القدس الشرقية". وضاعت فلسطين في ثنايا صفقة القرن (صفقة ترامب- نتنياهو) التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي ترامب في المؤتمر الصحفي الشهير في الثامن والعشرين من شهر يناير عام ٢٠٢٠ في البيت الأبيض الذي شهده رجال المال والأعمال وقادة الرأي والسياسة الأمريكية إلى جانب نتنياهو وغانتس وسفراء أوروبيين وبعض السفراء العرب والذي أعلن فيه ترامب صفقة القرن بوضوح (دولة إسرائيل اليهودية وعاصمتها الموحدة القدس بعد ضم أجزاء من الضفة الغربية للكيان وضم الجولان وإسقاط حق العودة للفلسطينيين والاعتراف العربي الفلسطيني بالدولة اليهودية وسحب سلاح المقاومة وبعد خمس سنوات يبدأ الحديث عن دولة فلسطينية بلا حدود واضحة ولا سيادة ولا جيش، وتجميع الفلسطينيين في كنتونات مقطعة الاوصال تربط بينها انفاق وسدود، وكما عبّر عنها بعض المحللين الاجانب أنها تشبه كل شيء الا الدولة )..

رفضها الكل الفلسطيني بما فيهم الرئيس الفلسطيني مهندس اتفاق أوسلو الرئيسي  صاحب استراتيجية المفاوضات وأن السلام مع (إسرائيل) بالنسبة له أيديولوجية وهو لا يزال يؤمن بها دون تغيير أو تبديل حتى بعد اعلان "صفقة القرن" ونية الضم لأراضي الضفة الغربية وقد صرح في اجتماع المجلس المركزي الأخير بأنه لن يسمح بالعنف (شيفرة المقاومة لديه) وأرسل إلى كل الأطراف بهذه الرسالة بما فيه الطرف الصهيوني (في رسالة موجهة إلى القيادة الاسرائيلية يوم 21/5/2020)، وما حدث من تجاوزات من قيادات في السلطة مثل :

- استمرار الاتصال مع الطرف الصهيوني ( اللقاء الإلكتروني بين رئيس الوزراء اشتيه ومستشار نتنياهو).

- استجداء وزير خارجية السلطة رياض المالكي بعقد لقاء في موسكو بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتمنياته ألا يخرب نتنياهو اللقاء.

- اتصالات صائب عريقات بمسؤولين أوروبيين بريطانيين وألمان وفرنسيين أن الرئيس لن يوقف التنسيق الأمني كاملا مع الاحتلال. 

ما دعا إليه الرئيس الفلسطيني بالتحلل من اتفاقيات اوسلو ووقف التنسيق الأمني والاتصالات مع العدو الصهيوني والادارة الامريكية خطوة مهمة، وقد عبر عن ذلك الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد نخالة أنه يأخذ كلام الرئيس على محمل الجد بالرغم من هذه التجاوزات... أخيرا نطق الرئيس بالجوهرة التي انتظرناها طويلا كفلسطينيين ... إنه مطلب الكل الفلسطيني (الفصائل الوطنية، الشرائح المجتمعية، قادة الرأي والفكر والسياسة والقانون الفلسطيني في الداخل والخارج، المجلسان الوطني والمركزي، أعضاء في اللجنة التنفيذية للمنظمة)..

واتفقنا فصائليا أن تقف حالة المناكفات ونكء جراح الانقسام.. لكن هناك إرث ستة وعشرين عاما من حياة الشعب الفلسطيني أكلنا فيها الحصرم جاثمة على صدر الفلسطينيين كيف يمكن إزالة آثارها ... تبقى خطوة مهمة يجب أن نفكر فيها جميعا وهى ما أُورثناه من وضع فلسطيني - فلسطيني انعدمت فيه الثقة بيننا وانهار المشروع الوطني وتكرس انقسام ضرب أطنابه في كافة المستويات، كيف يمكن معالجة هذه الآثار كلها..

بدون مواربة نقول: إن المفتاح بيد الرئيس نفسه ... وكما نطق الرئيس بما أراده الكل الفلسطيني تبقى خطوة أخرى تحركنا نحو الأمام بالمضي على جسر المصالحة ... وهي الدعوة إلى حوار وطني فلسطيني قيادي مقرر يُصيغ مشروعا فلسطينيا متفقا عليه للمواجهة الشاملة مع العدو الصهيوني، وبذلك نفتح صفحة تاريخية جديدة ومشرقة تعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة السياسية العالمية وبقوة..

لأننا نثق بشعبنا الذى أشعل انتفاضة الحجارة عام 1987 وانتفاضة الاقصى عام ٢٠٠٠ وانتفاضة القدس عام ٢٠١٥  ومسيرات العودة التي وحدت الكل الفلسطيني وانطلقت إلى السلك الزائل بين غزة وأراضينا المحتلة عام 1948 بالرغم من محاولة التدجين وكي الوعي الفلسطيني يبقى المخزون الفلسطيني النضالي والزخم الثوري دائما فائضا ينتظر لحظة الانفجار التي حتما ستأتي..