التنسيق والتطبيع وتجفيف ينابيع الإرهاب ؟!

هذه مصطلحات مستحدثة على قضيتنا، ألقت بظلالها السوداء علينا وقد ابتلينا بها أعظم الابتلاء، فقد عملت قوى الشرّ عليها كثيرا وطويلا بكل ما أوتيت من قوّة وخبث ومكر، والهدف واضح ضرب من يقف في وجههم وتقويض كل عوامل القوّة فينا وضرب روافدنا ومحاضن روحنا: المساجد، والمؤسسات الثقافية والاجتماعية، والمدارس حتى رياض الأطفال، وكذلك مصادر الدعم المالي وكل ما من شانه أن ينهض بحالنا: التربوي والثقافي والاجتماعي وصولا الى السياسي واشتباك النقيض للنقيض في كل ميادين المواجهة.

وقد تم التركيز كثيرا على أمرين بالتحديد: المساجد وتمويل الانشطة الخيرية.

فالتنسيق والتطبيع هما نتاج عملية سياسية مختلّة القوى والتوازنات، وقد بقي القوي متمسكا بغطرسته وصلفه وقد اراد أن يفرض إرادته وشروطه وأراد أن يكسب الوقت ويفرض وقائع جديدة لصالحه وأراد أن يستثمر في واقع ما بعد عقد اتفاقات مرحلية ومن قبل أن يلتزم بشروط هذه الاتفاقات ولو بحدّها الأدنى خاصة في المجال الأمني، وهنا مكمن الخطر, إذ إن هناك أشياء سيادية لا تعطى أبدا، ومن وافق على أن يقدّم شيئا منها، فقد وافق ضمنا على المزيد من التنازلات وكان قابلا للمزيد من الضغط الذي يصبّ في النهاية في صالح نقيضه، فإذا كان هذا الامر محظورا مبدئيا وبشكل دائم فكيف نبدي استعدادا بتقديمه وحتى نحن في مرحلة انتقالية وقبل أن يفي الطرف الاخر بالتزاماته معنا؟ والتي أخطرها تقديم معلومات أمنية تخدم أمنه وقد سمّيت ظلما وزورا بالتنسيق وهي في الحقيقة تسليم معلومات وليس بعد هذا التنازل من تنازل.

ونفس الكلام يقال في التطبيع فكيف يقبل بعض العرب بالتطبيع بينما الحق العربي الفلسطيني ما زال في بطنهم ولم يفعلوا شيئا بخصوص إعادة هذه الحقوق المسلوبة، فهل التطبيع عربون محبة على قاعدة: " بوس الكلب من فمه حتى توخذ حاجتك منه"، للأسف تعلق بها البعض كمن يتعلّق بحبال الهوى وثبت فيما بعد أن هذا العدو ليس كلبا لتنفع معه بوسة الفم وإنما هم عدو شرس جشع لا يعرف الا كيف يسطو على حقوق الاخرين وليس في قاموسه ما يعطي أبدا خاصة وهو يرى من يقف أمامه مستجديا ينتظر الفتات.  

أما عن تجفيف ينابيع الإرهاب! فهذا مصطلح خرج بعد اجتماع لوزراء داخلية لعدة دول عربية شارك معهم وزير الداخلية الإسرائيلي في تسعينات القرن الماضي، وكان من توصياتهم تجفيف ينابيع الحركات الإرهابية وطبعا كان المقصود في حينها ان تشمل حركات المقاومة التي تقاوم المحتل، أما وقد وصلنا الى خطورة التنسيق والتطبيع فعلينا اعادة النظر في مقررات مؤتمر تجفيف الينابيع هذه والتي تحوّلت الى ممارسات ومطاردات ساخنة لكل متطلبات وينابيع المقاومة بالفعل.

فإذا كنّا جادّين بالفعل فلنر رفع القبضة الامنية عن المساجد ورفع الحظر عن الدعاة الممنوعين من الوعظ والخطابة، والتوقّف عن تفعيل البنوك والمصارف في المراقبة الصارمة لكل صادر أو وارد، لنفتح مؤسسات أغلقت تحت هذا العنوان: تجفيف الينابيع ، لنعيد كل من يعمل لنشر وترسيخ ثقافة المقاومة وزرع روح الانتصار فينا، بدل تلك التي عملت على ثقافة التطبيع وقبول الاخر الذي لا يقبلك ويعمل على موتك ولا يريد منك سوى الاسترخاء وفكّ عرى المقاومة والاستسلام لإرادة الأعداء. 

وهذه بالمناسبة من الممكن أن تتحوّل الى ورقة قوّة بيد من يملك القرار ان أحسن استخدامها.

لقد بات المطلوب إن كنا جادّين وصادقين أن نعيد للقضية وهجها وأن نعيد للإرادة الحرّة فعلها وأن نحرّض المؤمنين بالقضية على نصرها بكل ما أوتوا من قوة وأن نكفّر عن تلك الأيام التي خدعونا فيها وقالوا إن هكذا عدوّ قد ينفع معه الحوار والتفاوض وعقد الاتفاقات.