هنادي حلواني.. مرابطة مقدسية تحت مجهر "الشاباك"

"فلسطين" تحاور أول من صنفها الاحتلال بما سماها "القائمة السوداء"

...
غزة_القدس المحتلة/ يحيى اليعقوبي:

"كبلني ذلك الضابط بالحديد لأدخل في سلسلة التنقلات والإجراءات الطويلة حتى أصل للغرفة التي سأباتُ ليلتي فيها، فُتشتُ تفتيشًا عاريًا دقيقًا ككل مرة ثم أخذتني المجندة لعنبر في السجن لأبات ليلتي في زنزانةٍ تصحبني فيها إسرائيليتان محكومتان بأحكامٍ جنائية!

لم أتخيل ولا لحظة كيف بإمكاني قضاء هذه الليلة، وكيف يمكن أن أُستقبل في هذه الغرفة لهذه الليلة، صحوت من أفكاري حين وصلت الزنزانة على صوت السجانة تصرخ وهي تأمرني أن أخلع جلبابي وحجابي..".

لكل إنسان مرحلة فارقة من حياته؛ تتغير معها رتابة الحياة الروتينية، في حياة المرابطة المقدسية هنادي حلواني بدأت ملامح هذا التغيير عام 2011، حينما كانت معلمة بـ"مصاطب العلم"، وفي غضون عدة أعوام وضعها الاحتلال في المرتبة الأولى بالقائمة "السوداء" في نظره، و"الذهبية" كما تسميها المرابطات.

كان موقف نزع الحجاب، أحد الأحداث التي روتها حلواني، في حوارها مع صحيفة "فلسطين"، حيث بدت امرأة صلبة لم تهزها كل وسائل التضييق التي مارستها أجهزة مخابرات الاحتلال ضدها، بدءًا من أول إبعاد لها، واعتقالها في زنازين العزل الانفرادي، وحبسها منزليًّا، ومراقبتها طوال الوقت، وروايتها لأحداث عاشتها كهبتي باب الرحمة والأسباط، وأحداث أخرى.

مصاطب العلم

بصفتها مقدسية تسكن في حي وادي الجوز بالقدس المحتلة، فإنه أمر طبيعي أن ترتاد المسجد الأقصى، لكن في عام 2011 بدأت هنادي حلواني ترابط يوميًّا وتعمل بمشروع "مصاطب العلم"، تبدأ حديثها من هنا، بهدوء وصوت رزين، وكلمات متماسكة تقول : "كنت مدرسة قرآن في هذا المشروع، لكن بدأت أتطور كمعلمة وبدأ المشروع بالتطور كذلك، وبلغ عدد مرتاديه50 طالبة، لكن شخصيتي كانت جاذبة للناس، فأصبح هناك 650 طالبة، وكنا نمنح الطلاب شهادات أكاديمية وأشياء تساعدهم على الانخراط، إضافة إلى ذلك أصبح هناك ألف طفل، و600 رجل".

من هنا؛ بدأ الاحتلال يسلط المجهر ومراقبة هذا التحول في أعداد طلاب العلم داخل الأقصى، فقبل 2010 كان المسجد فارغًا إلا من المصلين، ولم يكن قد بزغ فجر الرباط، إلى أن وصلت عيون مراقبته لـ"حلواني"، وبدأت الملاحقة، تقول: "غيرت هذه المشاريع التي شاركت فيها مخططات الاحتلال، فحظر المشروع، ثم بدأت الملاحقة والإبعاد إلى اليوم، لكن أصبحت رسالتي عن المسجد الأقصى من خلال صوتي وأنا مبعدة، أعلى بكثير من الرسالة بداخله".

سبق أول قرار إبعاد رسمي، تهديدات وجهها الاحتلال واتصالات على أهلها وزوجها، ثم جاءها أول استدعاء رسمي من مخابرات الاحتلال في القدس في 2012، تلخص الجلسة وما دار فيها: "كانت عبارة عن جلسة تسميع ما بين "ترغيب وترهيب"، وهددت حينها بالإبعاد عن المسجد الأقصى، والضفة الغربية، ووقف خدمات العلاج الطبي، والمنع من السفر، نفذها لاحقًا كلها باستثناء الإبعاد لغزة أو تركيا".

ضابط الاحتلال يسألها، في أثناء الجلسة: "حرام بنتك لما تكبر وبدها تتزوج تكوني أنت مبعدة لغزة.. عشان ضليتي بهذا الطريق".

سبقت ردها عليه ضحكة عريضة استفزته بها: "غزة أرض عزة ويشرفني أكون كذلك بتركيا".

مراقبة متواصلة

لم يكن سهلًا؛ ما تحملته المرابطة حلواني، فلك أن تتخيل أن هاتفها مراقب طوال الوقت، الرسائل التي تصلها، المكالمات، البريد الإلكتروني، حساباتها على مواقع التواصل، وبين الفينة والأخرى يستدعيها جهاز مخابرات الاحتلال "الشاباك" للتحقيق معها في الأشخاص الذين تتواصل معهم، وطبيعة الرسائل، وإذا استقلت سيارتها في الطريق يسلط "الشاباك" شرطة مرور الاحتلال لفرض غرامات مالية عالية عليها، حتى يصبح مرورها في شوارع القدس المحتلة صعبًا.

"هددني بسحب الهوية المقدسية، وهذا يعقبه إخراج وإبعاد (...) كما حرمت وقتها وعائلتي من تلقي خدمات التأمين الصحي أو الدواء والعلاج من المستشفيات رغم أننا ندفع أموالا مقابله".. وهكذا استمرت الملاحقة والتضييق.

اعتقد الاحتلال أن الضبط الذي قامت به حلواني داخل حرم الأقصى، سينتهي بإخراجها وإبعادها عنه، لكنها واصلت رسالتها من الخارج وأصبح التأثير عالميًّا، إلى أن أصدر الاحتلال قائمة "سوداء" وكان اسم هنادي حلواني الرقم الأول وضمت القائمة 55 اسمًا للمرابطات، معظمهن تعرضن للتنكيل وتفتيش واقتحام البيوت، ومنع الاحتلال وقفاتهن عند باب السلسلة التي كانت تتصدى للمقتحمين المستوطنين بالتكبير، وبدأت كل واحدة فيهن بإيصال رسالتها بشكل فردي وأصبحن عناوين للرباط وتوثيق انتهاكات الاحتلال عن بعد".

لكن لم يكن ما سبق، كل ما في جعبة الاحتلال ضد حلواني، فقد اعتقلها سبع مرات، واحتجزها وأبعدها مرات عديدة، تتابع: "العام الماضي اعتقلني ست مرات واقتحم بيتي سبع مرات، حتى أن مجموع الأيام التي دخلت الأقصى بها في آخر ست سنوات نحو شهرين ومنذ ثمانية أشهر لم أدخل الأقصى".

نزع الحجاب

لا يفارق هذا الموقف ذاكراتها؛ فما زالت آثار الجرح الذي سببه عالقًا في نبرة صوتها: "في إحدى مرات الاعتقالات، وضعت بسجن "الرملة" في قسم الجنائيات، طلبت المجندة أن أرفع حجاب الرأس، وأخلع عباءتي، فرفضت بشدة، وتعاركنا، لكن خشيت من ذلك بأن يتهمني الاحتلال بالاعتداء على شرطية داخل السجن ويسجنني ستة أشهر، فزجتني بغرفة بداخلها إسرائيليتان مسجونتان على قضايا مخدرات".

تتابع رواية الموقف: "دخلت السجن فوجدت منشفة، وضعتها على رأسي لأن السجن مراقب بكاميرات من سجانين رجال، وبكيت لمدة ساعة حتى أحضروا لي حجابي".

في مرة اعتقال أخرى، مكثت حلواني أسبوعًا بعزل انفرادي بسجن الرملة، تعود إليه لكن هذه المرة من بوابة الذكرى الأليمة، مضيفة: "كان المكان أشبه بمرحاض، مليء بالحشرات، مكعب إسمنتي مرفوع عن الأرض فوقه فرشة رفيعة تحتها حشرات ميتة".

يعقب كل مرة اعتقال، إبعاد عن البلدة القديمة، ومن شروط الإفراج إما الإبعاد أو الحبس المنزلي لعدة أشهر، كان أصعبها على حلواني عام 2016م، تقول: "كانت شرطة الاحتلال تراقبني 24 ساعة، تأتي الفجر وفي الليل للتأكد بأنني متواجدة بالمنزل، وأجبروا أمي وهي مريضة سرطان على مراقبتي، والتوقيع على كفالة بمعاقبتها إذا خرجت من المنزل، ولم يسمحوا لها بالخروج كذلك رغم أنها احتاجت علاج حتى تراقبني، وسلموا عائلتي بعد ذلك قرار هدم إداري؛ فعلا حينها شعرت أنني سببت الأذى لهم، وغبت عن زوجي وأطفال لمدة شهرين".

في 14 يوليو/ تموز 2017شكل رفض المقدسيين "البوابات الإلكترونية" على أبواب المسجد الأقصى لحظات فارقة في تاريخ مدينة المحتلة، وشكل اعتصام باب الأسباط، وبرز فيها دور المقاومة الفردية والاعتصام الشعبي والتفاعل الخارجي، اضطر الاحتلال الإسرائيلي أمامها للتراجع وإزالة البوابات، في 28 تموز/يوليو 2017 بإزالة البوابات الإلكترونية.

تقول حلواني عن ذلك: "يومها منعنا أنفسنا من دخول الأقصى، وأراد الاحتلال بغبائه إثارة حدث معين لإعادة فتح الأقصى بشروطه، وكنت سعيدة بالمقدسيين المدافعين عن الأقصى، ووقف المسيحي بجانب المسلم، كان الاحتلال يحاول إبعاد أهل البلدة القديمة عن الأقصى والقضية، لكن كل ذلك فشل".

لا تزال تروي المشاهد: "فتح المقدسيون بالبلدة بيوتهم للقادمين من الخارج للاعتصام، وكانت أيام عز وكرامة، ولما دخلنا من باب الأسباط بعد إزالة البوابات شعرت أنها تحضير لنصر "أعظم"، فكانت مشاعر ومشاهد مختلطة، كان الاحتلال يضربنا بقنابل الغاز والناس تسجد للصلاة وآخرون يغمى عليهم من الغاز".

حينها تأكدت حلواني أنه مهما الاحتلال حاول التنكيل بالمقدسيين فإنهم سيبقون "حماة الدار"، وفي هبة باب الرحمة عام 2019 والتي أفشل المقدسيون محاولة الاحتلال بالسيطرة على باب الرحمة، حتى تمكن آلاف المقدسيين في 22 فبراير/ شباط 2019، من الدخول إلى مصلى باب الرحمة شرقي المسجد الأقصى وأداء الصلاة فيه، للمرة الأولى منذ عام 2003، حلواني كانت توثق ذلك من "مطل الطور" بالقدس بسبب قرار إبعادها، ثم توالت الاعتقالات ضد حلواني وصار الاحتلال يلاحقها على نشاطها على مواقع التواصل، اعتقلها الأسبوع الماضي، وخلال حملة الفجر العظيم، وهي تفيد بأن الاحتلال استدعاها للمقابلة وقد تتسلم أمر إبعاد لها.