ماذا بعد أن نُشيِّع أوسلو إلى مثواه الأخير؟!

لقد أضاع الاحتلال فرصة ذهبية من شأنها أن تطيل عمر كيانه، جاءهم اتفاق يمنحهم ثمانية وسبعين بالمائة من أرض فلسطين التاريخية على طبق من ذهب، في حين يعطي أصحاب فلسطين الحقيقيين اثنين وعشرين بالمائة من فلسطين، وهذا على أفضل التقديرات والتوقعات التي جعلت سقف الفلسطيني المفاوض: الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام سبعة وستين، هذا إن لم تُجرَ تعديلات في المفاوضات النهائية تنقص من حصة الفلسطينيين مع ضمانات واشتراطات تضمن أمنهم وتفوّقهم وتمنحهم الحق بما ليس لهم حق فيه والشرعية بما لا شرعية لهم فيه، ما الذي جرى وأعمى قادتهم الى هذه الدرجة بأن فوّتوا هذه الفرصة الذهبية؟!

يقولون إن الطمع يعمي الأبصار والقلوب، فماذا لو أضفنا له غطرسة القوة وعنجهية الباطل وصلف المحتلّ؟ ثم إن براغماتية المفاوض الفلسطيني الفائضة عن الحاجة والضرورة وقبوله بالتخلّي عن نقاط قوّته على أمل أن يحسّن هذا من صورته عالميا بما يبعده عن شبهة الإرهاب وأن يعزّز بذلك من قوّته التفاوضية وكسب الضغط الدولي على سلطات الاحتلال، كلّ هذا تبخّر أمام ذاكرة الاحتلال القصيرة التي لا يوقظها سوى الخسارة اليومية وكلفة احتلالها الباهظة، نحن وفّرنا للاحتلال بيئة سهلة ومريحة ورفعنا عنه ضغط المقاومة والبقاء في حالة استنزاف مستمرة تجبره على التفكير بحقوق الاخرين، فمثلا لم تترك المقاومة الفيتنامية مقاومتها للمحتل الأمريكي فترة المفاوضات بل بقيت على صفيح ساخن يشكل الضغط المطلوب على صانع القرار لسلطات الاحتلال الأمريكية. على مرّ التاريخ لم يسترجع مُستعمر بفتح الميم حقه إلى بعد أن يكسر شوكة مستعمره ويمرّغ أنفه في التراب ويجعل من كلفة استعماره باهظة بشريا وماديّا.

نحن (بحق ولاستخلاص العبر بعيدا عن أي مزاودة) تخلينا عن نقاط قوّتنا وراهنا على خيار وحيد هو خيار التفاوض (وبموضوعية مجرّدة) قلنا لا مانع من بعض المقاومة الشعبية السلمية ثمّ ساهمنا بقوة في تقويض تلك المقاومة التي تجعل من الاحتلال مكلفا وتدفعه للتفكير بحق من يفاوضه، هذا بدل أن يحظى بالتقدير كما توقّع البعض بحسن نيّة في غير موضعها صنع العكس تماما، زاد من طمعهم فينا وزاد من استقوائهم علينا وتغوّلهم على حقوقنا؛ استيطانا وعدوانا واستهانة بنا وبمقدّساتنا وبكل مكوّنات كرامتنا، شعروا شعور ذئب مفترس أمامه أرنب يستجدي حقوقه بالحسنى وطيب النوايا.

يجب أن ينتابنا شعور كم كنا مخطئين ونحن نطارد المقاومين ونقول إن هذا مصلحة وطنية وإن علينا أن نعطي فرصة للتفاوض السلمي، صحيح أتفهم أن على صوت السلاح أن يخبو قليلا وقت استحقاقات تفاوضية في أوقات حرجة ولكن أن يتم استئصاله وملاحقته استراتيجيا على مدار عقدين من الزمن على أمل ابليس في جنة التفاوض فهذا غير معقول أبدا. كم كنا مخطئين ونحن نطمئن الإسرائيلي بأن هذا خيارنا الوحيد، كم كنا مخطئين وبعضنا يروّج لثقافة بديلة عن ثقافة المقاومة وذات الشوكة ونعد هذا مصلحة وطنية.

كنا نتساءل: ماذا لو لم نصل إلى حقوقنا عبر هذا التفاوض؟ أو على ربع حقوقنا حسب اتفاق أوسلو؟ ماذا عسانا نفعل؟

وكنّا نناقش سياسيا أن طبيعة هذا الاحتلال ومن يعرف تركيبته العنصرية الإحلالية لا يمكن أن يخرج من جلده ويصبح احتلالا محترما يعيد الحقوق لأصحابها أبدا، وحتى دينيا رغم أن اليهود اليوم بفكرتهم الصهيونية يختلفون عن سابقيهم بالأمس ومع هذا قال القرآن فيهم:" أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يأتون الناس نقيرا". نناقش سياسيا بتركيبتهم التي تزداد تطرفا يوما بعد يوم، وتاريخيا قياسا بكل أشكال الاستعمار والانتدابات والاحتلالات التي لم ينفع معها إلا القوة ودينيا بما قص علينا القرآن من قصصهم رغم أنهم اليوم هم النسخة الأسوأ من هذه الطبيعة البشرية النكدة، كل ذلك يقودنا إلى أن مسارات التفاوض قبل قصة البقرة التي حملت اسم أطول سورة في القرآن لن تختلف أبدا بعد أن قست قلوبهم وصارت أشد قسوة من الحجارة بعد قصة البقرة بثلاثة آلاف عام.     

لقد وصلنا الآن إلى هذه المآلات المأساوية، فما هي السيناريوهات البديلة اليوم بعد أن وصلت تجربتنا المريرة إلى ما وصلت إليه؟

  • لا بدّ أن نغسل أيدينا ثلاثا من خيار التفاوض وكل ما ترتّب عليه، وأن نُخلّل ما بين الأصابع كما نفعل مع فيروس كورونا؛ تطهيرا وبراءة لا عودة عنهما أبدا.
  • شحذ الهمم والعمل على الاستعداد النفسي والثقافي للإنسان الفلسطيني النقيض المشتبك مع المحتل بكل الأبعاد المطلوبة.
  • جمع الصف على قاعدة "المقاومة توحّدنا" وهي بالفعل كذلك لأن الانقسام في الأصل كان على برنامجين مقاوم ومفاوض، فإذا وضعنا هذه القاعدة للبرنامجين فإنهما يصبحان برنامجا واحدا وبالتالي يصبح الانقسام من تداعيات مرحلة مضت.
  • اغتنام الفرصة التاريخية المواتية للعودة إلى أصول القضية إذ إن تحديات الضمّ وغطرسة المحتل بهذا الشكل غير المسبوق فرصة تاريخية لنا بعد أن ضيّع هو فرصته التاريخية التي لن تتكرّر أبدا لأن التاريخ لا يعيد نفسه.

ولأن القادم مهما كان لن يكون أسوأ من المرحلة السابقة التي وقفنا فيها طويلا أيتاما أمام طاولة اللئام دون أن نأخذ الفتات، لقد آن الأوان لأن نعود كما كنّا أسودا يخشاها اللئام ولا نامت أعين الجبناء.