"فلسطين" ترصد واقع الخدمات الطبية لمرضى الأورام في ظل "كورونا"

"السرطان" ينهش أجساد المرضى في غياب البروتوكولات العلاجية

...
غزة- يحيى اليعقوبي

قطعت المسنة فيروز الطرطور دورا طويلا ومسافة أطول بالقدوم من مخيم المغازي وسط القطاع إلى قسم الأورام بمستشفى الرنتيسي بمدينة غزة، وجاءت إلى الممرضة لأخذ جرعة العلاج "البيولوجي" المقرر موعدها اليوم حسب البروتوكول العلاجي الخاص بها، لكن الممرضة بعد أن نظرت إلى قائمة الأدوية فاجأتها: "الإبرة مش موجودة"، نتيجة نفادها من صيدليات الوزارة ومخازنها، لتعود الطرطور خائبة الأمل.

تقول وقد بدت مستاءة: "مفترض أن أحصل على ثلاث حقن، حصلت على واحدة، واليوم موعد الحقنة الثانية، لكنها غير موجودة للأسف"، ومشكلة النقص الحاد في أدوية مرضى السرطان لا تعاني فيها الطرطور وحدها، بل يعاني منها آلاف المرضى.

وأمام باب غرفة الطبيب تقف مريضة سرطان الثدي ختام سمور، بعد أن قطعت دورًا طويلا في الانتظار في الصالة الخارجية. تقول سمور إنه كان مفترضًا أن تغادر في 21 مايو/أيار الجاري إلى مستشفى المطلع بالقدس لأخذ جرعة الكيماوي، لكن بسبب ظروف فيروس "كورونا" وصعوبة الحركة والتنقل، جاءت لتأخذها في مستشفى الرنتيسي، وكانت لحسن حظها متوافرة.

في صالة الانتظار بقسم الأورام يجلس العشرات من المراجعين المرضى ومرافقيهم على جانبي الممر، تبدو الصالة متكدسة مقارنة بالأعداد الزائرة، في الداخل يتمدد مرضى في غرف وأقسام عدة على أسرة لتلقي العلاج والمحاليل الطبية.

على باب الصالة تنتظر تهاني الدالي خروج شقيقتها مريضة سرطان الثدي التي كان يفترض أن تحصل على إبرة "إريديا" في بداية مايو/ أيار الجاري، ولم تكن متوافرة حينها، إلا أن المشفى اتصل بها اليوم وأبلغها بتوافرها، وبينما هي على نفس الهيأة قالت: "الرعاية هنا جيدة من ناحية الأطباء والممرضين، لكن المشكلة في الأدوية أحيانا تتوافر وأخرى لا تكون موجودة".

ويوضح رئيس قسم تمريض الأورام إبراهيم زقوت، أن وجود القسم بمستشفى الرنتيسي مؤقت كونه مشفى مخصصا للأطفال، وهو غير مهيأ لاستقبال أعداد كبيرة لصغر حجم المكان مقارنة بأعداد المراجعين المرضى، إذ يتوافد يوميا نحو 200 مريض إليه.

ويؤكد زقوت لصحيفة "فلسطين" وجود نقص كبير في علاجات الأورام إلى جانب صعوبة توافرها، لكن من جديد أصبح يتم تحويل المرضى إلى مستشفى "الحياة" في غزة، الذي يقدم الخدمات العلاجية غير المتوافرة لدى وزارة الصحة، بالتالي لم يعد المريض بحاجة للسفر والانتظار في قائمة الرفض الأمني.

واستدرك: "المشكلة الحاصلة أن هناك قائمة أدوية غير موجودة بمشفى "الحياة" تخص مرضى السرطان وإن توافرت ستحدث نقلة نوعية في علاج الأورام"، لافتا إلى أن أكثر أنواع الأدوية غير المتوافرة بالوزارة أدوية سرطان الثدي الأكثر انتشارا، وأدوية سرطان القولون ثاني الأمراض الأكثر انتشارا.

قسم الأطفال

في الطابق العلوي ما إن تلج قسم أورام الأطفال تبدو الصورة مختلفة تماما مقارنة بتجهيزات الطابق السفلي، إذ تجذبك المداخل الواسعة والألوان الزاهية التي تبهج جدران القسم، حيث لكل طفل مريض غرفة منفصلة عن غرفة أمه، مجهزة بأسرة وأجهزة طبية حديثة، وألعاب ورسومات وبالونات وحبال زينة معلقة، تُشعر الطفل أنه ليس بمشفى.

وبداخل إحدى الغرف يغط الطفل محمد عبد النبي (11 عاما) في نومه.. تخبر أمه أنه من المفترض أن يذهب ابنها للعلاج بمستشفى "النجاح" بمدينة نابلس، لكن حالته الصحية لا تسمح له بالتنقل من غزة إلى الضفة، فمنذ أربعة أيام تفرز كليته مياها، فيعمل أطباء الرنتيسي على سحبها من بطنه وإعطائه محاليل لوقف الجفاف، مشيرة إلى أن علاج طفلها والمحاليل والمهدئات التي يحتاج إليها متوفرة.

في الغرفة المجاورة تراقب والدة الطفل حسن طافش "عام ونصف العام" بقلق حالة طفلها، وتخشى عليه من عدم تمكنه من التنقل إلى الضفة لأخذ جرعة كيماوي رابع أيام العيد، تقول أمه إن طفلها الذي يعاني من سرطان الدم حصل على الجرعات المتوافرة بالرنتيسي، وغير المتوافرة سيذهب إلى الضفة لأخذها.

رئيس قسم التمريض بقسم الأطفال حكيم رضوان أبو وردة، يقول إن نقص الأدوات والمعدات والمستلزمات الطبية تعاني منه المستشفيات قبل أزمة فيروس "كورونا"، وبعد الأزمة زاد النقص، وإن مرضى السرطان يعانون نقصا في العلاجات الكيماوية، وبالتالي يضطرون لتحويلهم إلى الداخل المحتل، وهي الحالات الصعبة التي لا يتوافر علاجها ولا يوجد بديل لها.

وأوضح أبو وردة لصحيفة "فلسطين" أن العلاج الكيماوي أساس، ويجب أن يتلقاه الطفل، وفي حالة عدم تمكنه من السفر قد تحدث له انتكاسة صحية، وهناك حالات توفيت بسبب ذلك.

وبين أن الخدمة المقدمة تقتصر على التشخيص وتقديم العلاج الكيماوي، لكن الطفل الذي يحتاج إلى استئصال وإشعاع يحول إلى مستشفيات الضفة والداخل المحتل، مشيرًا إلى أن معاناة المرضى تبدأ من البرتوكول العلاجي الذي قد ينقطع في منتصف الطريق، ما يضطر المشفى لتحويله إلى مشافي الداخل المحتل، وهنا قد يواجه المريض إعاقة الاحتلال بحجة الرفض الأمني.