ضمّ الضفّة الغربيّة.. مآلات النكبة واستمرار القضيّة

الوصول إلى ضمّ الضفّة الغربيّة، أو ضمّ مناطق واسعة منها، كالمستوطنات والغور والذي هو في حدّ ذاته ضمّ فعليّ للضفّة الغربيّة كلّها، نتيجة كان لا بدّ من وصولها، ومهما تأخرت مع استمرار الاختلال في الموازين الدوليّة والاهتراء في الواقع العربي والعجز في الموقف الفلسطيني.. مهما تأخرت فلا بدّ من الوصول إليها، وفي الأحوال كلّها، هي في حالة ضمّ فعلي مهما كانت الأشكال القانونيّة السائدة.

يجري الحديث الآن عن الضمّ في ذكرى النكبة، هذه الذكرى تساعد على فهم الأسباب التي تجعل من هذه النتيجة حتميّة، وأنّ الوصول إليها يخلو من عنصر الصدمة والمفاجأة، وعلى الأقل في السنوات الأخيرة. كان ينبغي الاستعداد للحظة كهذه، وإذا لم نقل منذ فشل مفاوضات (كامب ديفيد) بين عرفات وباراك، فمنذ استقالة أولمرت، بعد تعويل عريض من السلطة الفلسطينية على إمكان إنجاز تسوية مع أولمرت/ ليفني، مؤسّسة، على نحو ما، على الانقسام الفلسطيني، بعد الدعم الذي حظيت به السلطة الفلسطينية في مؤتمر أنابوليس في العام 2007، والآمال التي رُوِّج لها في حينه.

فإن لم تكن تلك لحظة تبديد الآمال الزائفة، فمع نهاية ولاية أوباما، بعد صعوده بالسلطة على شجرة "لا مفاوضات إلا بعد وقف الاستيطان"، الذي لم يقف طبعا، وظلّ مستمرّا في هيكلة الضفّة الغربيّة ليكون ضمّها واقعا بالفعل، إلا أنّ صناعة الآمال الزائفة صارت وظيفة، وتجدّدت مع مجيء إدارة ترامب، الذي صار لاحقا صاحب خطّة تصفية القضية الفلسطينية، والغطاء الكبير لمشاريع الضمّ. وفي الأثناء، وفي إتقان لهذه الوظيفة استحكم الرهان على إمكانية إزاحة نتنياهو، والتمكين لغانتس، ودفع القائمة العربية في الكنيست لدعمه، ممّا يعني أن الثابت الوحيد في السياسات الفلسطينية الرسميّة هو المراوحة في المكان، وتعبئة الفراغ السياسي بالمناورات نفسها، والخطابات نفسها، مع خلوّ النّفس من الإيمان بجدواها، ولكن استمرار الأمر القائم على ما هو عليه، في مقدّمة أجندة صنّاع تلك السياسات، لأنّ الأمر القائم بالنسبة لهم مهمّ في نفسه.

كيف تفسّر النكبة حتميّة الضم؟

جوهر النكبة يقوم على نفي الوجود السياسي للفلسطينيين، والدعاية الصهيونية، التي تجعل من الضفّة الغربية ("يهودا والسامرة") أداة الاستقطاب والحشد الصهيوني وبناء السردية التاريخية والهويّة الجامعة، لا الساحل الفلسطيني، أعلنت منذ البداية شعار "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، فاستكملت بالضرورة وقائعها باحتلال ما تبقّى من فلسطين في العام 1967. ومن أسّس وجوده على دعاية كهذه، واستبطن واستعلن جيلا بعد جيل نفي الوجود السياسي للفلسطينيين؛ لم يكن له ليتخلّى عن ذاته.

وهذا الاستمرار في الانتفاش الصهيوني المؤسّس على ذلك المنطلق في تعريف الذات وتبرير الوجود ونفي الآخر، لا بدّ وأنّ يستمرّ في سياسات النفي، فإنّ كان النفي الماديّ الفيزيائي، بترحيل الفلسطينيين، متعذّرا لاختلاف الزمن عن لحظتي 1948 و1967، فإنّ النفي يأخذ هذه المرّة شكل الضمّ، المتصل بإعلان "إسرائيل" دولة يهوديّة، لا تكتمل قوميّتها اليهوديّة إلا بـ(إسرائيل) الكاملة التاريخيّة والأصليّة، أي بـ"يهودا والسامرة".

ليست القضيّة، في هذه الحالة، مجرّد دعاية للتأسيس الاستعماري ثمّ انتهى غرضها، ولكنها ضرورة وجوديّة على المستوى التعبوي، من جانبين؛ الأول لضرورات التماسك الإسرائيلي الذي يعاند في مجرّد وجوده التاريخ والجغرافيا والمنطق العقلي والضمير الإنساني، فلا يريد الإسرائيلي أن يكون رخوا وهشّا في إيمانه بذاته وحيثيات وجوده، والثاني لمواجهة العالم بـ"الحقّ التاريخي"، لإدراك الإسرائيلي العميق للتحوّلات المؤكّدة في وقت ما من المستقبل. فالأخطاء التاريخية والجغرافية المصادمة للعقل والضمير، يتنبّه مقترفوها لحمايتها من التصحيح، وهذا التصحيح في الحالة الفلسطينية مؤكّد بملاحظة استمرار الوجود الفلسطيني على أرضه، لا بذاته فحسب، بل وبوعيه وروايته وإدراكه لحقّه وتاريخه، ثمّ بملاحظة البحر العربي الذي يحيط بالوجود الإسرائيلي، وعدم الاستقرار في العالم.

يكشف هذا من وجه المثابرة الإسرائيلية، بالرغم من كلّ العيوب التي باتت تتعمّق في (إسرائيل) دولة ومجتمعا، لكنّ وجهها الآخر هو استمرار النكبة بمعنييها؛ المأساة الفلسطينية المتفتّحة على إدراك الفلسطيني لهويّته في مواجهة الحالة الاستعمارية الصهيونية، وعدم استكمال (إسرائيل) لـ"استقلالها"، ولذلك لم يكن من قبيل المبالغة، وصف (إسرائيل) لانتفاضة الأقصى، الأكثر ملحمية في تاريخ الصراع مع الاحتلال، بأنّها امتداد لـ"حرب الاستقلال"، ويمكن التعبير عن ذلك بكلمتين: "القضيّة الفلسطينية لم تنته، و(إسرائيل) لم تستكمل مشروعها وبناء ذاتها". وهذا يعني، على مأساوية المشهد، أنّ أسباب النضال، وإمكانات إحباط المشروع الصهيوني ما تزال موجودة، حتّى لو كانت الوسائل إليها في هذه اللحظة تبدو منغلقة.

غير بعيد عن ذلك، ما أذكّر به دائما، أنّ مشكلة العمق الإستراتيجي لـ(إسرائيل) تتطلب لأسباب استراتيجية الاحتفاظ بالضفّة الغربيّة، على الأقل بالغور وبعض المرتفعات، وذلك لأنّها وجود غير طبيعي، في منطقة بطبيعتها ترفضها ولا تحتمل وجودها، إلا في ظرف من الاهتراء كما هو حاصل، حينئذ لا بدّ من التحصين للمستقبل، وامتلاك المزيد من الأوراق للمناورة، إلا أنّ الأسباب التعبويّة، الضروريّة لبناء الذات ومواجهة العالم، تأتي في المقدمة، وهو الأمر الذي يجعل من خطّة ترامب وصفة لتصفية الوجود السياسي للفلسطينيين.