أهي نكبة أم نكبات...؟

...

غازي أبو دقة

حقيقة هي نكبة متعددة الشعب ما زالت تصفع وجهه الكرامة العربية، ليس في فلسطين وحسب، بل في كل أرجاء الوطن العربي والمهاجر، بل كانت ومازالت وصمة عار وخزي على جبين العالم "المتمدن المتحضر"، والإنسانية جمعاء..!!

أجل، لقد عرف الشعب الفلسطيني ببسالته في تصديه البطولي، لأعتى قوى الشر والظلم والطغيان، بقيادة بريطانية الصهيونية، منذ انتدابها، أو على الأصح احتلالها لبلادنا، في أعقاب الحرب العالمية الأولى 1918، ووعد بلفور المخزي 1917، في أحضان مؤامرة سايكس _بيكو 1916 وذلك في خضم "الخديعة العربية الكبرى" التي انطلت على القيادة العربية آنذاك، التي أخذت بمقدرات الأمة العربية إلى جانب ما عرف بمعسكر الحلفاء في ذلك الوقت، بقيادة بريطانيا وفرنسا وآخرين، كانت نتيجتها كالمستعينين من الرمضاء بالنار...!

وأمام سمع العالم وبصره عرفت الحقيقة، وتكشفت أبعاد المؤامرة والجريمة في مؤتمر فرساي، في باريس 1919 الذي اعقب هزيمة ما عرف في ذلك الزمن بدول المحور (محور اسطنبول _برلين _ فيينا) مقابل دول الحلفاء، التي انضمت اليها الولايات المتحدة الصهيو أمريكية، بقيادة رئيسها الصهيوني الأمريكي "وودرو ويلسون" الذي أخرج بلاده عن حيادها الذي استنه رئيسها الحكيم "جيمس مونرو" عام  1823ليجنب أمريكا ويلات وشرور التدخل في شؤون الغير..

إنها الصهيونية التي تنامت قواها في أمريكا، وقد استطاعت اخراجها عن حيادها نصرة للحلفاء ولتحقيق أهدافها في إقامة كيان للصهاينة علي أرض فلسطين..!

هذا ما شهد به الأخوان "بيتي" في كتابهما (الصهيونية لعبتها أمريكا).

ظنوا أنها لقمة سائغة..

ما إن انكشفت أبعاد هذا المؤامرة، بعيد إقرار الانتداب الأنكلو- فرنسي، بموجب اتفاق "سان ريمو" 1920 الذي اقر انتداب بريطانيا علي فلسطين وما والاها، وانتداب فرنسا على سوريا ولبنان، وقد كانت هذه الأقطار، وحدة إدارية واحدة، تعرف بـ "ولاية سورية" في إطار الدولة العثمانية.

وهكذا، لم يتأخر أبناء فلسطين يوما عن رفضهم لهذا الانتداب الذي جاء بأول مندوب سامي للانتداب على فلسطين من يهودي بريطاني الذي يعرفه شعبنا الباسل باسم (هربرت صموئيل)  اليهودي الصهيوني الذي جيء به لتحقيق وعد بلفور في اقامة "الوطن القومي اليهودي" في فلسطين..

وعليه، فقد هب شعبنا العظيم عام 1920 بإطلاق الرصاصة الأولي على جنود الانتداب، منذ الأيام الأولى لإعلان الانتداب، رغم قلة الإمكانات فلسطينا وعربيا، أمام امبراطورية بريطانيا "العظمى" التي لا تغيب عنها الشمس، كما وصفت آنذاك..!

هنا يذكر أن عدد الجيش البريطاني في فلسطين أكثر من مائة الف جندي مدججين بالأسلحة والعتاد، مقابل شعب أعزل، لا يزيده عن مليون ونص مليون نسمة، فيما كانت مستعمرة الهند البريطانية (الهند و بكستان و بنغلاديش) وتضم أكثر من 400 مليون نسمة، يوجد فيها نحو 60 ألف جندي بريطاني فقط..!

كل فلسطين أعلنت النفير رغم ضآلة الإمكانات _تقارع جيوش بريطانيا العظمى، وعصابات الصهاينة التي تحتضنها، وذلك أمام سمع العالم وبصره، الذي كان ولا يزال في سبات عميق، أو شريك في مؤامرة الإفك والعدوان...

 يا للعار..! 

 لقد ظل الفلسطينيون يقارعون قوات بريطانيا، وربيباتها العصابات الصهيونية، على كل ثرى فلسطين، في جهاد عظيم شهد به الأعداء قبل الأصدقاء ولقد كانت ثورة القسام والاضراب العظيم عام 1936 الذي استمر أكثر من ستة شهور، قد كان أعظم اضراب عرفه التاريخ...

وقد عرفت الهبات والأعمال البطولية الفلسطينية عدة قيادات، استبسلت وأرخصت دماءها في سبيل العزة والكرامة العربية على ثرى فلسطين..!

 لقد جاء الشيخ عز الدين القسام مجاهدا، من جهاد ضد فرنسا في سوريا الشقيقة ليقود قافلة الجهاد في فلسطين، وليستشهد على ثراها المقدس في يعبد، ليعيد سيرته أبطال فلسطين اليوم - كتائب القسام – في حركة المقاومة الاسلامية (حماس) التي تقوم بأنبل معاني المقاومة ضد أشرس قوى الشر العالمية لتحرير أرض فلسطين، ولترد على عار النكبة والهزيمة وتشعباتها..

وتتعرف فلسطين على قوافل من المجاهدين، وقادة عظام، ما انفكوا عن الجهاد والاستشهاد في سبيل احقاق الحق وازهاق الباطل، طيلة نحو 30 عاما، من الاستعمار الانتدابي، قضى فيها المجاهد الكبير عبدالقادر الحسيني شهيدا في معركة القسطل عام 1947، وأرتال من رفاقه الابرار من أبناء فلسطين، ومن أشقائهم عربا ومسلمين في القتال وفي العمل السياسي والتدريب والاعلام وقد جاءوا نصرة لشعب فلسطين الذي تكالبت عليه صروف الزمان..

أذكر هنا المجاهد: فوزي القاوقجي، من طرابلس _ لبنان، والمجاهد سعيد العاص من حماة _ سورية، وقد شاركا من قبل في مقارعة الفرنسيين في بلديهما، مع المجاهد ابراهيم هنانو في جبل الزاوية والشمال السوري، و مع الشيخ صالح العلي في جبال العلويين والساحل السوري..

لعلي هنا لا أستطيع سرد الكثير من الأسماء من أمثال أحمد عبدالعزيز من مصر، وعلي صالح بويصير من ليبيا وغيرهم بين المشرق والمغرب..

أما على الصعيد السياسي والاعلامي والدعم اللوجستي والمالي والفني، يكفي أن أذكر بالمجاهد الاسلامي الكبير محمد علي جناح، الصدر الاعظم لمسلمي شبه القارة الهندية، وأخيه شوكت علي الذي كان يقود الحجيج ويخطب فيهم لنجدة فلسطين، والذي دفن في بيت المقدس بناء على طلب الحاج أمين الحسيني، باعتباره أحد أكبر رموز العمل الاسلامي لأجل فلسطين، ولعل الأمير شكيب أرسلان أمير البيان، اللبناني السوري لا يقل شأنا في دعواه للقضية الفلسطينية والقضايا العربية والاسلامية، قبل رحيله عام 1946..

كما سجلت الوقائع مشاركة أشخاص وتنظيمات وأحزاب، هبت لنصره الكفاح والجهاد في فلسطين.. فهذا الحزب القومي السوري في بلاد الشام بقيادة زعيمه الراحل "انطون سعادة"، يشارك بكل امكاناته باعتبار فلسطين جزءا من سورية، وهنالك " أكرم الحوراني"، صاحب الحزب العربي الاشتراكي، يفزع مع أبناء حماة..

هذا، ولا يمكن أن ننسى دور الاخوان المسلمين في مصر بقيادة "حسن البنا"، ودور علال الفاسي صاحب حزب الاستقلال في المغرب، ومحمد العيد في الجزائر ورجالات أخرين في كل من المغرب وتونس وليبيا وفي كل الساحة العربية والإسلامية..

رغم هذا، فقد حلت النكبة عشية هزيمة سبعة جيوش عربية عام 1948، غاب عنها التنظيم والقيادات الأمينة، وقلة الامكانات عدا الخيانة والدسائس وغيرهما، في ظل أجواء عربية مظلمة وقاتمة وفاسدة..

تشعبات النكبة..!

وعليه فقد كثرت الافتراءات والشائعات المغرضة تبريرا للهزيمة من جهة، وليضرب اسفين فرقة بين العرب وأبناء فلسطين..

هنا كانت تشعبات النكبة، والتي أثارت زوابع وأعفار، مازالت غيومها لم تنقشع.!

أكبر تلك الفريات والاكاذيب اتهام الفلسطينيين ببيع أرضهم للعصابات الصهيونية، واتهامهم بالتهرب من الجهاد والكفاح، وهروب القيادات الفلسطينية، وما الى ذلك من الترهات..

لعمري هذه نكبة لا تقل عن نكبة الهزيمة وتشريد أهل فلسطين لأنها تجعل من الفلسطيني خسيسا ونذلا وخائنا لأمته ووطنه..

نعم، ليت من يوجه إلينا هذه الفرية يتفهم أجواء تلك المرحلة، وليته يستمع لدفاعنا ودفع التهمة عنا..!

لطالما وجهت إلينا أسئلة لئيمة من لئام تشبعوا من اللؤم والافتراء، ولا نجد لأنفسنا من مخرج يزيح الافتراء والاتهام..!

أليست هذا نكبة..!؟ أليست مصيبة!؟ 

والمصيبة أنهم لا يريدون  أن يفهموا أن الخمسة في المائة من أرض فلسطين، التي ذهبت الي الوكالة اليهودية كانت من غرباء عن فلسطين، ومن سلطة الانتداب، وبأساليب ملتوية، لا يمكن أن تكون كافية لتحقيق الهزيمة، أو إضفاء الشرعية على اغتصاب فلسطين..

عجبا لهؤلاء الصهاينة ذوي السحنات والألسن العربية كأن اليهود في البلاد العربية، لا أملاك لهم فيها!

على الاقل النظام العربي الرسمي يعرف الحقيقة، ويسمح او يتغاضى عن تداول هذه الافتراءات، ولا يقاومها..

والحقيقة أننا قد واجهنا عنتا كبيرا من هؤلاء العرب المتصهينين، الذين لم نفلح إلا مع القليل منهم، في التعرف إلى الحقيقة، والرد على هذه الفرية المقيتة..!

وهكذا نصل مع هذا الافتراء إلى بداية شهر أو دهر عسل يقود إلى نسيان مأساة شعب فلسطين وضياع حقوقهم إلى التطبيع مع العدو الذي طالما مسح بكرامتهم الارض في كل الساحات..

ليتهم لم يناصبوا مجاهدينا العداء وليتهم لم يضعوهم في قوائم الارهاب كما يريد الاعداء؟

أين هذه النكبة من نكبتنا قبل 72 عاما..!؟