الصدام الكبير مع (إسرائيل)

انتهت الأزمة المديدة الناتجة عن فشل جولتين انتخابيتين في تحقيق أغلبية لأي من المعسكرين في إسرائيل، انتهت إلى المخرج الأسوأ باشتراك الطرفين في حكومة “وحدة وطنية” يتناوب على رئاستها زعيما المعسكرين نتنياهو وغانتس. النصف الأول لنتنياهو وفق الشرط الذي فرضه وكان قد أعاق لفترة طويلة الاتفاق والجميع كان يعرف أن نتنياهو يريده لينفذ بجلده من احتمالات السجن بسبب اتهامات الفساد الموجهة إليه.

بالمعية وافق غانتس ومعسكره على تطبيق برنامج صفقة القرن من طرف واحد بضم شريط الغور وساحل البحر الميت أي كل الأرض المحاذية للأردن وبعمق 20 كيلومترا لتصبح، قانونيا، جزءا من إسرائيل إلى جانب مناطق أخرى تترك للفلسطينيين معازل على شكل جلد النمر وهو ما يساوي الإعلان نهائيا عن قبر حل الدولتين فتكون إسرائيل دولة لليهود من البحر إلى النهر ويترك مصير الفلسطينيين المقيمين على أرضهم للمجهول.. لكن المعلوم ضمنا أن المخرج الوحيد الذي يبقى طال الزمن أم قصر هو مع الأردن وعلى حسابه.

هذا ما يراه الأردن تهديدا صادما لأمنه واستقراره ومستقبله أي تحميله عنوة وبقوة الأمر الواقع مسؤولية الفلسطينيين وتوفير سبل المعيشة والمواطنة لهم وضمن ظروف سوف تستمر ضاغطة على الفلسطينيين للتسرب خارج البلاد. هذا إضافة طبعا لحل مشكلة الفلسطينيين اللاجئين الذين لا يزالون لا يملكون أي جنسية أو مواطنة وبالمناسبة فعددهم في الأردن أكثر حتى من سورية ولبنان. هذا الخيار له مسمى معروف هو الوطن البديل وإن لم يكن هذا المصطلح هو التعبير المتفق عليه فليكن شرح ما سيحصل هو زج الأردن قسرا وقهرا وبقوة الأمر الواقع في تواطؤ قسري لتصفية القضية الفلسطينية والهوية الوطنية الفلسطينية وهذا عمل انتحاري يستحيل أن يقدم عليه الأردن ولن يقبل به الشعبان الأردني والفلسطيني، ويبقي المنطقة في حالة نزاع وتوتر خطير ودائم، ولذلك فإن جلالة الملك كان يعني حرفيا ما يقول وهو يحذر أن تطبيق مشروع الضم “سيؤدي إلى صدام كبير مع الأردن”.

الحقيقة أنني شَهَقت حين قرأت هذه العبارة، وفكرت لأول وهلة أن الترجمة ربما أعطت معنى أكثر حدة من المقصود لكن الأصل بالإنجليزية لا يترك حيزا للاجتهاد (lead to a massive conflict with the Hashemite Kingdom Jordan)، وهذه أقوى رسالة على الإطلاق يوجهها جلالة الملك وقد تم لزّنا على الحافة. فحتى الأمس كانت الأمور معلقة على مصير الأزمة الداخلية الإسرائيلية، أما وقد تشكلت حكومة تضم الأطراف الرئيسية الإسرائيلية وأقرت برنامجا لتطبيق مشروع الضم قانونيا الشهر القادم، فلم يعد من مجال سوى إطلاق هذا التحذير الأخير للإسرائيليين وللعالم. ولو راجعنا كل تصريح وكل خطاب لجلالة الملك على المنابر الدولية وفي كل مناسبة نجد المطالبة بتطبيق حل الدولتين والتحذير من إسقاط هذا الحل هو محور الخطاب الذي يستدرج فيه الملك قوة البيان والمنطق والحجج لدعم هذه الفكرة وتأكيدها، وها قد وصلنا قريبا من نهاية الخط الذي قال الملك صراحة إلى أين يقود. وقد سأل الصحفي الملك إذا كان هذا سيعني إنهاء معاهدة السلام، فقال إن الخيارات كلها مفتوحة!

أنا لا أعتقد أن موازين القوى تسمح بتفرد الأردن بقرارات هجومية غير محسوبة، فالعواقب كل مرة كانت وخيمة وتؤدي لتحقيق العدو هدفه اللاحق. لننتظر ونر فالتصريح سيعطي فورا مفاعيله بشد انتباه العالم المشغول بكورونا إلى القرار الإسرائيلي الخطير ونخص أوروبا التي جاءت المقابلة عبر أحد منابرها الصحفية البارزة، وشد انتباه العرب إلى الخطر القادم الذي يتطلب التوافق على خط وخطة لا تترك الأردن والفلسطينيين وحدهم في الساحة.

الغد الأردنية