رمضان فرصة عظيمة لتحقيق الحريّة؟!

رمضان شهر الحرية بامتياز، وعلى هذا أدرك لماذا كانت أعظم المعارك التي انتصر فيها المسلمون كانت في رمضان، دعونا بعجالة سريعة نلتمس مكامن الحرية في هذا الشهر الكريم:

•       بما أن شهر رمضان هو شهر القرآن وهو فرصة للتأثر من هذا المصدر السماوي العظيم، فالمسلم في حالة شعورية عالية وفي محاولة دائبة لتحريك كل قدراته العقلية والروحية متفاعلًا مع معانٍ تسمو به وتحرّره من آصار وأغلال كثيرة، تحرّره من أن يعبد غير الله بمعنى أن يخضع أو أن يتبع أو أن يذلّ نفسه لغير الله مهما علا شأن كل من يريد له الخضوع ومهما كانت سطوته ومهما بسط جبروته، القرآن هو نهج الحرية والتحرّر بامتياز، فلا يمكن لمن جعل القرآن نهج حياته أن يستكين لاحتلال وأن يقرّ له بأي شيء من حقوقه أو يرضخ لهيمنته عليه، القرآن في رمضان فرصة عظيمة لتحرير شعوبنا من كل أشكال التبعية: سياسية كانت أم اقتصادية أم ثقافية، تفاعل الناس مع القرآن خاصة في رمضان هي عملية تحرّر من خلال منظومة فكرية مترابطة تنتج قيمة الحريّة بامتياز، وهي الأهم من بين مجموعة القيم التربوية والاجتماعية التي يسعى القرآن لتحقيقها ويطرق عليها لينتجها بكل قوة من خلال التأثير على وجدان الأمة وشعورها العميق.

•       رمضان عملية تدريبية متكاملة لتحرّر الملتحق بها من كل ما يمكن أن يستعبده ويحرفه عن حريته الكاملة، حتى أنه يحرّره من أشيائه الخاصة التي تُضعف من درجة حريته وانطلاقه الحرّ في هذه الحياة، فمثلا تحرّره من شهواته وتدرّبه على أن يكون سيّدا عليها مالكا أمرها لا عبدا ذليلا في محراب شهواته وتطلعاته الضيقة ونزواته التي تضعف إرادته وتجعلها مكبّلة وغير قادرة على القيام بمهامّها التي تتناسب مع حكمة وجوده وسمو أهدافه.

•       رمضان يوحّد مشاعر أمّة كبيرة ويجعلها أمّة واحدة ويحرّرها من تطلعاتها القطرية الضيّقة، ويجعل من أي مصاب يصيب طرف من أطرافها هو مصاب الأمة جميعها، فأمّة تتوجه لذات الرب العظيم وتقوم بذات المشاعر وتتعبّد على ذات الكتاب لا يمكن إلا أن تتجاوز خلافاتها التي يصنعها المنحرفون عن هذا الكتاب في أوهامها، رمضان هو لحظة الحقيقة وإعادة اكتشاف الأمة الواحة من جديد، لا يمكن لمن يصوم في ماليزيا مثلا ألا يتأثر بقضية الصائمين في فلسطين وألا يرى في الاحتلال إلا شأنًا خاصًّا بالفلسطينيين، هذا يتناقض مع روح الصيام وروح رسالة هذا الشهر الكريم.

رمضان يرسي قواعد قيم عظيمة في حياة الناس ويقوم بتدريبهم عليها بشكل عملي، ينتج نفوسا طيبة تحمل قيما عالية، مثل التكامل الاجتماعي وتصويب نظرة الأغنياء للفقراء وتدويل المال من هؤلاء إلى هؤلاء بحالة تراحمية عالية، ولكن أعلى هذه القيم هي قيمة الحرية التي تحرّر الإنسان من عبادة العباد وطغيان البشر وغطرسة الأقوياء وهيمنة الاستكبار إلى عبادة رب واحد تحررهم من عبادة سواه. أو قل التحرّر من الدوران حول الأشخاص والكتل البشرية السوداء التي تنتج أمة مريضة والدوران حول الأشياء التي تنتج أمة ميتة إلى الدوران حول الأفكار السماوية التي تنتج أمة حية حرة عزيزة كريمة. "كما ذكر ذلك الدكتور ماجد عرسان الكيلاني في كتابه فلسفة التربية الإسلامية بشيء من التصرف".