الأعمال الدرامية والقضية الفلسطينية بين الواقع والمنشود

حتى اللحظة لم تفتح الأبواب والقلوب والشاشات في طريق عمل درامي يوثق ويعالج مفاصل وتفاصيل القضية الوطنية الفلسطينية بأبعادها وتفرعاتها وحضورها كما فعل مسلسل التغريبة الفلسطينية منذ زهاء خمسة عشر عاما أو يزيد.

هذه المقدمة لا تنتقص من جميع الأعمال التي أنجزت في فلسطين أو الخارج، لكنها كانت ترصد وتوثق مرحلة بعينها أو بطولات شخصية مقاومة، ورغم حضورها فإن ذلك لا يعد في نظر المراقب المنصف سوى جهد المقل الذي تجاوز دون قصد مراحل عدة، ولكل كاتب عذر، كما الحال مع مسلسل يحيى عياش بنسخته السورية، وعماد عقل والفدائي وصولا لأبناء المختار، وغيرها.

ومن المهم الإشارة النقدية للأعمال الفنية الغنائية الفلسطينية لأنها هي الأخرى لم تفكك المغزى الوطني، وذهبت تركض خلف الحزبي الباهت بالمديح والإطراء والتزلف للسلطان والحزب الحاكم والقوة المؤثرة .

دعونا نسأل الكتاب والأدباء والمثقفين عن دورهم التوثيقي لهذه الحقب المتلاحقة حتى لو يطلب منهم أحد الكتابة، إن لم يكن دورهم فدور من إذن؟

دعونا نوجه السؤال ذاته لأهل المال والأعمال الذين يبحثون عن زيادة أرصدتهم، ألا تجدون في عمل درامي ما يشبع بطونكم؟ هلا شاركتم بالقليل من أموالكم الضخمة والهائلة بهالتها وحضورها في بنوك الغرب لدعم وتمويل جزء من العمل الدرامي؟

دعونا نسأل الفنانين الفلسطينيين والعرب عن جهوزيتهم واستعداداتهم للمشاركة في هذا العمل الضخم المقترح الذي سيرفع رصيدهم الشعبي والفني في الحد الأدنى، فالقضية تحتاج إليكم كما تحتاج إلى أهل الثغور والسياسة والمال والأعمال وذوي الأقلام المقاتلة والمشحوذة للمساهمة في بناء تغريبة جديدة وشاملة، فالسنوات التي تلت التغريبة الأولى غنية وكثيفة ومخيفة، لأن الأولى لم تتطرق للبلاء الذي حل وتمثل في عملية التسوية والتطبيع، ولا أرى صعوبة في توثيق الرؤى التي طرأت ونشأت فيما يتعلق بالمقاومة وأشكالها والخلافات الداخلية بتوازن محمود لا يقصي ولا يتفرد ولا يغيب.

وماذا تقول الفصائل والأحزاب والحركات في الساحة الفلسطينية وامتدادها في الشتات الملون عن دعمها المالي والأدبي والأدبيات التي تمتلئ بها خزاناتها وأدراجها ومكتباتها؟

هل تملكون الجهوزية للدعم لتكون التغريبة المقترحة مترجمة للغات عالمية تدخل بيوت الغرب والشرق على حد سواء؟

ماذا عن دور الحاضنة العربية والإسلامية والمسيحية للمشروع الفلسطيني الداعمة له في الإعلان والإسرار؟

ماذا عن الفضائيات والتلفزيونات الفلسطينية والعربية والإسلامية التي تضج بها الفضاءات وتذهل نفقاتها المراقبين إن تفتح شاشاتها واستعداداتها لتبني هذا العمل واعتماد جزء يسير من مصاريفها لصندوق العمل الدرامي وذلك كفيل بإنتاجه من ألفه إلى يائه؟

لا أحد ممن ذكرت يملك الحقيقة كاملة ولكن الكل يملكها، ولا أحد يملك القدرة وحده لكن التكاتف يجمعها وينهض بها لتنطلق حية.

الجغرافيا والقدرات والدعم والإمكانات والفنيات لمن ذكرت مجتمعة متوافرة، فالحصى الصغيرة يمكنها أن تشكل الجدار الصلب إذا توافر البناء المقاول والمهندس والعامل وتوافرت الظروف وتهيأت، ساعتها تكون دراما تخرج التغريبة الحقيقية من قمقم غربتها وتجاهلها ونسيانها والتغافل عنها.

نعم، يمكن لهذا الجهد أن يشكل اليد الحانية التي تزيل طبقات الغبار عن الحقيقة التي نادى بها وصدح بها الراحل الأديب الفلسطيني القائد العنيد غسان كنفاني ذات يوم: الحقيقة كل الحقيقة للجماهير.

هذه الكلمات قد تكون صرخة في وادٍ لكنها زفرات غاضبة في وجه دراما التطبيع المهين والانبطاح المخزي والارتماء المذل في أحضان الأعداء وخنادقهم التي تقتل الكرامة وتدفن الرجولة وتخنق الغيرة مرة واحدة وإلى الأبد.