كيف يمكن إنتاج لقاح كوفيد19 للجميع

في الأسابيع الأولى من العام 2020، بدأ يتبادر إلى أذهان الناس أن مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد- 19 COVID-19) ربما يكون “المرض إكس” الذي كنا نرهبه ونخشى مجيئه لفترة طويلة لكنه كان متوقعا ــ جائحة عالمية يسببها فيروس غير معروف. وبعد ثلاثة أشهر، أصبح غالبية سكان العالم رازحين تحت وطأة تدابير الاحتجاز والإغلاق، ومن الواضح أن مدى صحتنا يتحدد وفقا لمدى صحة جيراننا ــ محليا، ووطنيا، ودوليا.

سوف تكون الأنظمة الصحية القوية، وقدرات الاختبار الكافية، واللقاح الفعّال المتوفر عالميا، عوامل أساسية في وقاية وحماية المجتمعات من كوفيد-19. لكن ضمان عدم تخلف أي شخص عن الركب لا يتطلب قدرا غير مسبوق من الاستثمار الجماعي وحسب، بل يتطلب أيضا نهجا مختلفا تماما.

يتسابق الباحثون في الجامعات والشركات في مختلف أنحاء العالم لإنتاج لقاح. كان التقدم المحرز حتى الآن مشجعا: 73 لقاحا مرشحا يجري حاليا استكشافها بنشاط أو إخضاعها للتطوير السريري، في حين دخلت خمسة لقاحات بالفعل مرحلة التجارب السريرية.

يتلخص السبب الوحيد وراء تمكين هذه الجهود الهائلة في الاستثمارات العامة الضخمة، بما في ذلك من قِـبَـل المعاهد الوطنية الأميركية للصحة والتحالف من أجل إبداعات التأهب للأوبئة، والذي أنشئ كمنظمة غير ربحية ممولة من القطاع العام بعد وباء إيبولا في الفترة 2014-2016 في غرب أفريقيا لدفع مشاريع البحث والتطوير المرتبطة بتطوير لقاح يمكن نشره أثناء الفاشيات الـمَـرَضية.

تلقى التحالف من أجل إبداعات التأهب للأوبئة حتى الآن 765 مليون دولار إضافية من مبلغ 2 مليار دولار المستهدف لتمويل تطوير لقاح كوفيد-19 من حكومات متعددة. وقد استثمرت هيئة مشاريع البحث والتطوير الحيوية المتقدمة، وهي جزء من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة، مبالغ كبيرة في مشاريع تطوير اللقاح مع شركة جونسون آند جونسون (450 مليون دولار) وشركة مودرنا (483 مليون دولار). ويعتزم الاتحاد الأوروبي تعبئة المزيد من التمويل العام للتصدي للجائحة في إطار مؤتمر التعهدات الذي يقام على شبكة الإنترنت في الرابع من مايو/أيار.

لكن الاستثمار وحده لا يكفي. فلتحقيق النجاح، لا بد أن تكون عملية ابتكار اللقاحات بالكامل، من مشاريع البحث والتطوير إلى الوصول إلى اللقاح، محكومة بقواعد واضحة وشفافة للمشاركة استنادا إلى أهداف ومقاييس المصلحة العامة. وهذا بدوره، يتطلب المواءمة الواضحة بين المصالح العامة العالمية والوطنية.

تتلخص الخطوة الحاسمة الأولى في تبني نهج موجه نحو إنجاز المهمة وتركيز الاستثمارات العامة والخاصة على تحقيق هدف مشترك محدد بوضوح: تطوير لقاح (أو لقاحات) فعّال يمكن إنتاجه على نطاق عالمي بسرعة وإتاحته عالميا بالمجان. يتطلب تحقيق هذا الهدف قواعد ثابتة بشأن الملكية الفكرية، والتسعير، والتصنيع، على أن يأتي تصميمها وإنفاذها بطرق تقدر قيمة التعاون والتضامن الدوليين، وليس المنافسة بين البلدان.

ثانيا، لتعظيم الأثر على الصحة العامة، يجب توجيه النظام البيئي للابتكار بما يتناسب مع استخدام الذكاء الجمعي لتسريع التقدم. يزدهر الإبداع العلمي والطبي ويتقدم عندما يتبادل الباحثون المعرفة ويتقاسمونها علنا، على النحو الذي يمكنهم من البناء على نجاحات وإخفاقات بعضهم بعضا بشكل لحظي.

لكن علم تسجيل الملكية لا يتبع هذا النموذج. بل يعمل بدلا من ذلك على تشجيع المنافسة السرية، ويعطي الأولوية للموافقة التنظيمية في الدول الغنية على الإتاحة الواسعة النطاق والتأثير العالمي في ما يتصل بالصحة العامة، ويقيم الحواجز التي تحول دون الانتشار التكنولوجي. ورغم أن مجمعات الملكية الفكرية الطوعية كتلك التي اقترحتها كوستاريكا على منظمة الصحة العالمية قد تكون مفيدة، فإنها تجازف بالتحول إلى أداة عديمة الفعالية ما دام من المسموح للشركات الخاصة الساعية إلى تحقيق الربح بالاحتفاظ بالسيطرة على التكنولوجيات والبيانات الحرجة ــ حتى عندما يجري إنشاؤها باستثمارات عامة.

علاوة على ذلك، يشكل التوجيه الجمعي أهمية بالغة من أجل اختيار وملاحقة العمل على اللقاحات المحتملة الأكثر تبشيرا. خلافا لذلك، قد يذهب ترخيص التسويق إلى المرشح الذي يملك أكثر الموارد وليس المرشح الأنسب.

ثالثا، يتعين على الدول أن تأخذ زمام المبادرة في بناء ودعم قدرات التصنيع، ولا سيما في العالم النامي. ورغم أن اللقاح الفعّال لن يكون متاحا في الأرجح قبل 12 إلى 18 شهرا، فإن الجهود المتضافرة مطلوبة الآن لوضع القدرات العامة والخاصة والبنية الأساسية اللازمة لإنتاج مليارات الجرعات اللازمة بسرعة قيد التشغيل.

لأننا لا نعرف حتى الآن أي اللقاحات قد يثبت كونه اللقاح الأكثر فعالية، فربما نحتاج إلى الاستثمار في مجموعة من الأصول والتكنولوجيات. ويفرض هذا مخاطر تكنولوجية ومالية لا يمكن التغلب عليها إلا بمساعدة الدول الرائدة في الأعمال والمدعومة بتمويل جماعي تحركه المصلحة العامة، مثل بنوك التنمية الوطنية والإقليمية، والبنك الدولي، والمؤسسات الخيرية.

أخيرا، يجب أن تُـدْرَج شروط ضمان الوصول العالمي المتساوي الميسور التكلفة في أي برنامج لتطوير اللقاحات منذ البداية. وهذا من شأنه أن يسمح بهيكلة الاستثمارات العامة على هيئة أقل شبها بالـصَـدَقَـة أو أداة بسيطة لتصحيح السوق، وأقرب إلى وسيلة استباقية لتشكيل السوق تحركها أهداف عامة.

يجب أن يعكس تسعير لقاحات كوفيد-19 المساهمة العامة الكبيرة في تطويرها ومدى إلحاح وحجم الأزمة الصحية العالمية. ويتعين علينا أن نتجاوز بيانات المبادئ والتعهدات غير المحددة، وأن نقدم شروطا ملموسة تسمح بإتاحة اللقاحات بالمجان عند نقطة الاستخدام. كما ينبغي لصناع السياسات أن يدرسوا استخدام الترخيص الإجباري للسماح للبلدان بتحقيق الاستفادة المثلى من الأدوات والتكنولوجيات المتاحة.

نحن في احتياج ماس أيضا إلى آليات شراء جماعية تضمن التخصيص العادل والوصول العالمي المتساوي للقاحات الجديدة عند إتاحتها. ويجب أن يكون الهدف الأساسي منع الاقتصادات المتقدمة من احتكار العرض العالمي أو مزاحمة الطلب من البلدان الأكثر فقرا.

إن أزمة كوفيد-19 تستبعد نهج العمل كالمعتاد. ومع تحرك الدول بشكل جماعي ضد الجائحة من خلال الدعوة إلى إقامة تحالف عالمي، ومؤتمرات التعهد، واجتماعات مجموعة العشرين، وجمعية الصحة العالمية السنوية القادمة، فإننا لا نملك ترف إهدار هذه الفرصة. ويجب أن تتضمن هذه الجهود الجماعية قواعد مشاركة واضحة وقابلة للتطبيق تلزم جميع الشركاء بالتقيد بنهج شامل في التعامل مع الإبداع الصحي على أساس المصلحة العامة: لقاح كوفيد-19 الفعّال الذي يمكن إتاحته بسرعة للجميع مجانا.

لا شك أن مهمة تطوير وإتاحة لقاح كوفيد-19 على مستوى العالم واحدة من المهام الأكثر جسامة في حياتنا. وهذا في المقام الأول اختبار تحدد نتيجته ما إذا كان التعاون العالمي بين القطاعين العام والخاص، الذي يروج له صناع السياسيات على أنه المفتاح إلى تحقيق النجاح، ليعمل على تعظيم المعروض من المنافع العامة أو أنه مجرد أداة لزيادة حصة الأرباح الخاصة.