مع الصحب الكرام.. عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)

...
د. أحمد إدريس عودة

أول من جهر بالقرآن في مكة بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه وسلم)، اجتمع يومًا أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه وسلم)، فقالوا: "واللَّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهم؟"، فقال عبد اللَّه بن مسعود: "أنا"، فقالوا: "إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه"، فقال: "دعوني فإن اللَّه سيمنعني"، فغدا عبد اللَّه حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، فقال رافعًا صوته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ} [الرحمن: 1 2]، فاستقبلها، فقرأ بها، فتأملوا، فجعلوا يقولون: |ما يقول ابن أم عبد؟!"، ثم قالوا: "إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد"، فقاموا، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللَّه أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، فقالوا: "هذا الذي خشينا عليك"، فقال: "ما كان أعداء اللَّه قط أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غدًا"، قالوا: "حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون".

وقد تنبأ النبي (صلى الله عليه وسلم) له بمستقبل واعد، فقال له: "إنكَ غلامٌ مُعَلَّم"، ففي الحديث الذي يرويه أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود (رضي الله عنه)، أنه قال: "كنتُ غلامًا يافعًا أَرعَى غنمًا لعُقْبة بن أبي مُعيط، فجاء النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر، وقد فَرَّا منِ المشركين، فقالا: "يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا؟"، قلت: "إني مُؤْتمن، ولستُ ساقيَكما"، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "هل عندك من جَذَعَة لم يَنْزُ عليها الفَحْل؟"، قلتَ: "نعم"، فأتيتُهما بها، فاعْتَقَلها النبي (صلى الله عليه وسلم)، ومسح الضَّرْعَ ودعا، فحَفَلَ الضرْعُ، ثم أتاه أبو بكر بصخرة مُنْقعرَة، فاحْتَلَب فيها، فشرب، وشرب أبو بكر، ثم شربتُ، ثم قال للضَّرْع: "اقْلصْ"، فَقَلَصَ، فأتيتُه بعد ذلك فقلت: "عَلَّمني من هذا القول؟"، قال: (إنكَ غلامٌ مُعَلَّم)"، قال عبد الله: "فأخذتُ من فِيه سبعين سورةً، لا ينازعني فيها أحد"، وتحققت نبوءة النبي (صلى الله عليه وسلم) فيه (رضي الله عنه)، فكان يقول: «وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلاَ أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ، تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ».