تقرير السائقون.. حركة سير مشلولة تهدد قوت يومهم

...
شوارع شبه فارغة في معظم محافظات الوطن مع تفشي كورونا (أرشيف)
غزة- يحيى اليعقوبي

الساعة السابعة مساءً، وبعد انتظار دام ساعتين على مفرق السرايا بمدينة غزة، ظفر السائق مؤمن المقادمة بأربعة ركاب من بين عشرات السائقين المصطفين مثله، بعضهم بالكاد نجح في الحصول على راكب واحد أو اثنين.

أطفأ محرك السيارة، بعدما أخذت "فلسطين" من وقته، ترى القهر يستوطن بين ملامح وجهه الشاحب وثنايا صوته قائلا: "لا يوجد حركة الآن بسبب أزمة فيروس كورونا، تتنقل بين غزة للجنوب في حمولة واحدة، وتعود خالي الوفاض بسبب ضعف الحركة".

"يلا يلا الواحد ممشي أمور بيته.. والأن طلعلي قسط السيارة بقيمة 350 دولارًا" هذه مشكلة أخرى لا تواجه المقادمة وحده بل تواجه آلاف السائقين المرتبطين بأقساط وكمبيالات لعدة شركات مختصة ببيع السيارات بنظام الأقساط منها شركة "أبو عرار".

التنهيدة التي أخرجها هنا تعكس أحوال السائقين، بلهجة عامية: الواحد بطلع من الصبح يا دوب بحصل على عشرين شيقل"، وأضاف: "أشتريتها (السيارة) بنحو 22 ألف دولار ودفعت نصف ثمنها، ولا استطيع سداد الدفعات المستحقة القادمة وأتمنى من الشركة تأجيل الخصم لحين انتهاء الظروف.

قبل أن تتحرك السيارة بعدما قام بتشغيل المحرك، قال: "خوفنا أن تقف الحركة نهائيا، فلدي التزامات واحتياجات أطفالي، ينتظرون ما أحصل عليه من الدخل اليومي للسيارة".

"خان يونس.. رفح، خان يونس.. رفح" الساعة الحادية عشرة صباحا في اليوم التالي، ينادي مجموعة من السائقين الذين يزيد عددهم عن عدد المارة في أهم نقطة مركزية بقطاع غزة على مفرق السرايا أيضا، لكن صوتهم كان يرتد إليهم فلا يوجد ركاب.

محمد سعيد من سكان دير البلح والذي يرتدي كمامة وقفزات، أحد أولئك السائقين، سبقت كلماته ملامح الاستياء التي رسمتها تعابير وجهه وقال: "الحركة اليوم انعدمت نتيجة تعطل مؤسسات تعليمية وحكومية".

انتظار طويل

منذ الصباح استطاع سعيد نقل حمولة ركاب من دير البلح لغزة، ولا زال ينتظر أن يحالفه الحظ بالعثور على أربعة ركاب، لتوفير قوت يوم يكفي لثمانية أفراد ينتظرون الدخل الناتج من السيارة.

ابتسامته ممزوجة بالقهر، وقال: "إذا صحلك اليوم عشرين أربعين شيقل بكون ممتاز كتير"، مطالبا بتخفيض وتأجيل ترخيص السيارات.

بقربه يقف السائق محمد حسين من رفح مثله يتسابق مع السائقين الآخرين للحصول على راكب، لا يكتفي بالنداء من بعيد، بل يتجول في محيط المفرق بحثا عن ركاب، وبينما كان في حيرة من أمره قال: "لا يوجد حركة مطلقا، من الساعة السابعة استطعت نقل حمولة من رفح لغزة والآن انتظر الذهاب لرفح بحمولة أخرى".

"الوضع صار صعب لا قدرين نوفر أكل ولا شرب واذا وقفت الحركة.. حنموت".. كلمات أطلقتها حنجرة هذا السائق، مضيفا بعدما أسند ظهره للحائط: "هذه السيارة عليها أقساط وكمبيالات، وفي ظل الظروف الحالية لا نستطيع توفير دخل يكفي لسدادها"، مطالباً الحكومة بوقف خصم الأقساط والتراخيص.

تخفيف حكومي

المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات خليل الزيان، أوضح أن وزارته بالتعاون مع وزارة المالية قررتا تأجيل خلوات الضرائب (القيمة المضافة والدخل) لمدة ثلاثة أشهر للمركبات العمومية، والحافلات، والسيارات (العمومي والعمومي الداخلي) والشركات، فيستطيع الترخيص بدون طلب خلو من الضريبة.

وقال الزيان لصحيفة "فلسطين": "نعمل بنظام التقسيط المريح، لأقساط بعيدة وطويلة المدى"، وكشف أيضاً أن وزارته ستصدر قرارا بتخفيض رسوم ترخيص مركبات الديزل (السولار) بنسبة 50% من الرسوم الأصلية المقررة حسب القانون".

وأوضح أن القرار لم يتم تطبيقه حتى اللحظة، لأن هناك إجراءات فنية تعمل الوزارة على حلها تحول دون ذلك، تتعلق في تتغير أنظمة البرامج المحوسبة كي يبدأ التطبيق قريبا.

ولفت إلى أن القرارين يراعيان الظروف الحالية، وأن الوزارة تتابع الأمور على قدم وساق مع لجنة المتابعة الحكومية في كل القضايا التي من شأنها التخفيف على السائقين.

عدم المطالبة

صحيفة "فلسطين" نقلت مطالب السائقين إلى عطوة أبو عرار صاحب شركة "أبو عرار" وأمين صندوق جمعية مستوردي المركبات، الذي بدوره أكد أن الشركة لن تطالب السائقين غير المقتدرين بسداد الدفعات المستحقة عليهم خلال فترة الأزمة، وستقوم بإعطائهم فرصة أخرى لترتيب أوضاعهم المعيشية بعد انتهاء الأزمة.

وقال أبو عرار لصحيفة "فلسطين": "نحن كشركة لن نطالب أي سائق بدفع قيمة الكمبيالات بالفترة الحالية من غير المقتدرين".

وأضاف: "إذا أحضر الزبون القسط فأهلا وسهلا؛ وإذا لم يستطع فلن نطالبه طوال الأزمة وسنعطيه فرصة لا تقل عن شهر بعد انتهائها".

وأوضح أن عدد شركات أبو عرار في القطاع تبلغ نحو 15 شركة، كل شركة لديها ديون على نحو 400-600 سائق، مقدرا إجمالي عدد السائقين المطالبين بدفع مستحقات أقساط سيارات لصالح الشركات الـ15 بنحو 5 آلاف سائق.

وأردف: "ظروفنا كشركة تشتري سيارات من المستوردين، تتأثر بالظروف أكثر من السائقين، لأننا مرتبطون بشكات لديها موعد وتاريخ وقيمة مالية كبيرة".