يروي لـ"فلسطين" معركة الانتصار على الفيروس

"سرحان" بعد التعافي من "كورونا": تسلحوا بالإرادة

...
غزة- يحيى اليعقوبي

"مزبوط انت عيان وبدك تموت.. خلاص بدكاش ترجع على الدار".. وكأنها أشبه بمكالمة أخيرة، تتجمد عندها الحياة، تخرج تلك الكلمات من حنجرة طفل خائف عبر سماعة الهاتف، يحدث أمير (ستة أعوام)، والده المصاب بفيروس كورونا كوفيد-19 معتقدًا أن حياته انتهت، وأن كل شيء أصبح من الماضي.

والده الذي يحتاج لمن يعطيه دفعة معنوية في بداية الإصابة، يبدي حالة من اللامبالاة: "مين حكالك .. هالحكي؟"، الطفل الخائف يجيب: "سمعت"، لم تنفع كل محاولات الأب بإرسال مقاطع فيديو وصور له لإقناع الطفل بأن الأمور جيدة، بعدما وجه أمير سؤالاً حير والده في الإجابة: "طيب ليش ما بتيجي على الدار نشوفك".

بمجرد أن تحاور شخصا مصابا بفيروس كورونا المستجد قد تتخيل أن تجد شخصًا منهزمًا، وتسمع قصة مواجهة من على فراش السرير، وأطباء يصولون ويجولون وأجهزة تنفس طبية، ومرض نال من أعضاء الجسد، لكن في  معركة محمد سرحان مع المرض كانت الأمور مختلفة.

بداية الإصابة

"أتدرون؛ تفاصيل معايشة الفيروس غريبة " .. يبدأ سرحان حديثه مع صحيفة "فلسطين"، من لحظة ما قبل اكتشاف الفيروس، قائلا: "في غمرة العمل في فندق انجل ببيت لحم، مطلع مارس/آذار الجاري، اخبرتنا إدارة الفندق أن الوفد اليوناني الذي تواجد بالفندق في الفترة ما بين 23-27 فبراير/ شباط الماضي، كان مصابا بفيروس كورونا (...) جاءت طواقم من وزارة الصحة وأخذت عينات، وعدنا إلى منازلنا بشكل طبيعي".

لم يختلط سرحان مباشرة بالوفد، كونه يعمل في إعداد الطعام، "فقط كنت ألقي نظرة؛ من بعيد أراقب فيها الأمور، لكن يبدو أن العدوى انتقلت من العمال الآخرين الذين يحتكون بالوفود على مائدة الطعام".

في صبيحة اليوم الثاني، أخبرت وزارة الصحة بالضفة الغربية، إدارة الفندق أن هناك أربع إصابات وأن عليها إحضار كافة العاملين للفندق، وبدأ الحجر الصحي، يتوقف عند مشاعره بتلك اللحظات الصعبة: "الأمر الصعب أننا شاهدنا فيديوهات عبر الانترنت للمصابين بالدول الأخرى، وكيف يموتون، كنا نراقب إعلان نتائج الفحوصات بخوف وقلق، حالة من الذعر انتشرت بيننا في الفندق، في اليوم التالي ظهرت نتائج جديدة وكان اسمي بين سبع مصابين بالفيروس".

صعبة مرت اللحظات الأولى على سرحان، أسئلة وهواجس كثيرة زاحمته بالبداية حول مصيره، يخفي عن أطفاله الخائفين تلك المعارك بداخله، عبر طرف سماعة الهاتف الأخرى، يرحل صوته لليوم الأول في الحجر: "صعب أن توجد في العزل، بعيدا عن العالم، لا تستطيع رؤية أطفالك ووالديك، تتواجد في سجن، لكن بعد ثلاثة أيام بدأت تقبل الامور وأنشأنا مجموعة خاصة لموظفي الفندق على تطبيق "واتساب" وأصبحنا نقضي يومنا في الحديث عبر الانترنت".

"أصعب ما مر علي بالفترة الأولى، عدم تقبل طفلي أمير غيابي عنه، يبدو أن أحدا قد قال له إنني سأموت، وكانت أوضاعه النفسية صعبة .. يواصل البكاء، لكن بعدما أصبح يشاهدني على الفيديو، ولاحظ أن حالتي طبيعية فبدأ يتقبل (..) كنت أعلل عدم رؤيته لي في المنزل أنني أعود متأخرا وهو نائم وأستيقظ مبكرا بسبب ضغط العمل " .. وهكذا أقنع طفله بأنه غير مصاب.

دواء وعلاج

حبة من فيتامين C وأخرى من فيتامين D مرة يوميا –وفق توجيهات الأطباء له- تذوب مع الماء وتشرب، وعصير برتقال طبيعي، بهذه الأسلحة الصحية واجه سرحان الفيروس الذي انتشر في جسده بنسبة 30%.

في فندق معزول عن العالم، إلا من خلال شبكة الانترنت، بقيت مواقف محفورة في ذاكرته القريبة، ينتقي واحدا من أصعبها: "توفيت والدة زميل لنا بالفندق، بالرغم أنه محجور وليس مصابا، لم يسمح له بالاقتراب من سيارة الاسعاف التي احضرت الجثمان لباب الفندق، ودع والدته من بعيد يذرف الدموع، لا يستطيع القاء النظرة الأخيرة إلى من مسافة فاصلة، وهو يرتدي غطاءً أبيض وقفزات وكمامات ".

هل ظهرت عليك أعراض المرض المعلن عنها؟ تسبق ضحكته كلماته: "أتدري؛ طيلة 14 يوما لم أشعر بأي أعراض كان الأمر نفسيا بالبداية، لم أشعر بارتفاع درجة الحرارة أو آلام، نهائيا حتى أنني لم أصدق أنني مصاب لولا نتائج الفحوصات، الحالة الصحية قبل وبعد الفيروس كانت واحدة".

"من شدة شوقي لأطفالي والضغط النفسي، عزمت المغادرة من الفندق والذهاب لرؤيتهم، إلا أن إدارة الفندق منعتني، خوفا من نقل العدوى" .. يقول: "بعدها تأقلمت على الوضع الجديد، أقف على شرفة الغرفة، أتحدث إليهم باستمرار عبر الانترنت، حياة مملة ومعركة عليك أن تخوضها، كان الأطباء يأتون إلينا مرة واحدة في اليوم لقياس درجة الحرارة، عمال الفندق غير المصابين يحضرون إلينا ما نحتاجه من الخارج، الإرادة والعزيمة بعد ذلك ساعدتني في الشفاء، وأهم شيء  النظافة الشخصية".

أجريت لسرحان فحوصات جديدة قبل يومين، وتعافى من الإصابة تماما، لكنه يقضي الآن فترة إضافية بالحجر الصحي المنزلي، عاد إلى المنزل لأول مرة شاهده طفله أمير وشقيقاه منذ الإصابة، أرادوا من بعيد الاقتراب منه بلهفة واشتياق واحتضانه، لكن والدتهم  أمسكت بهم بطلب من والدهم تنهاهم عن ذلك: "محدش يقرب عليه لساته عيان".

"في البيت لا زلت ملتزما بالعزل الانفرادي، لا أحد يقترب مني، فقط أحدثهم بوقت معين من باب الغرفة، فصلت أغراضي الشخصية وأدوات الطعام عن أغراض المنزل،  أنصح الجميع بعدم القلق من الفيروس عشت الواقع وأصبت به حتى أنني أصبحت أعتقد أن الهالة الكبيرة حوله مسيسة" .. بهذا انتهى سرحان من استعراض تجربته في الانتصار على فيروس كورونا.