"عُقُولٌ وُسْطَى فِيَ زَمَنِ الْكُوُرُونَا"

عندما يذكر أحدهم القرون الوسطى، تتبادر إلى أذهاننا صور قاتمة من عنف وشعوذات وأساطير وخرافات، وقتل ودماء، وسحر وساحرات، وأمية وجهل، وأمراض فتاكة، وأنانية بشر تصل إلى حد الجنون.

دعونا نُزِحْ مؤشر الزمن قليلًا إلى الأمام إلى القرن الحادي والعشرين، أو لنقل الألفية الثالثة كما يحلو لبعضٍ أن يسميها، هيا بنا نُلقي نظرة على الفئة التي ذكرناها في البداية: الشعوب الأوروبية التي كانت تغرق في الجهالة والتخلف في القرون الوسطى أو عصور الظلام قبل اختراع الآلة البخارية وإبان حكم الكنيسة وتنفُّذها، كيف غدا حالها الآن؟، نفتح أفواهنا بتعجب ليصفر الريح داخلها ونحن نقول: شيء لا يصدق!، رُقي، وحضارة، وتطور، وعلم، وثقافة، وتكنولوجيا، ونظام، ونظافة، ودقة في المواعيد، وإنجازات، ونجاح.

ويخرج صوت أحدنا قائلًا بدهشة وتعجب: يا إلهي!، كم هو غريب ما حدث!، وكأنهم قفزوا من الجنوب إلى الشمال دفعة واحدة، هل يحدث ذلك حقًّا؟!، كيف فعلوا ذلك؟!، ليتنا نتغير مثلهم!

******

سأحكي لكم حكاية فأعيروني أسماعكم وأبصاركم، وأرجو ألا تقاطعوني حتى أنهي كلامي:

- يُحكى أن فيروسًا صغيرًا جدًّا، لا يُرى بالعين المجردة، يُسمى كورونا استطاع السيطرة على العالم!

قد يخرج منكم الآن من يقول: وكيف لهذا المخلوق الصغير الحقير أن يسيطر على العالم؟!، هل المسألة لعب "عيال"؟!

- يُقال إن هناك مدينة في مكان قصي على الأرض، يأكل البشر فيها الصراصير والخفافيش والحراذين ... وكل ما لا يخطر لك على بال؛ قد ظهر فيها المرض وانتشر.

- ههه، ما قصدكِ بهذا؟، وما لنا وما يأكل هؤلاء؟!

- ألم أطلب منكم أن تمهلوني قليلًا؟

 - لو سمحتِ اختصري الحديث، وهاتي الحكاية من النهاية.

- حسنًا، لن أطيل عليكم، يقال إن طبيبًا (لا أذكر اسمه، فأنتم تعلمون بأن أسماء هؤلاء القوم صعبة) لاحظ وجود أعراض مرضية متشابهة عند سبعة من المرضى راجعوه خلال أيام عدة، شكَّ في الأمر، وأجرى فحوصات طبية لم يستطع الوصول منها إلى شيء، ولكنه أبلغ وزارة الصحة بملاحظاته وتوجسه من أن ما يراه أمامه قد يكون مقدمة وباء قد ينتشر ويفتك بأناس كُثر، فهو يشبه فيروس مرض انتشر قبل عدة سنوات وحصد أرواحًا كثيرة.

جُنَّ جنون المسؤولين، وأرسلوا إليه من هدده وطلب منه الصمت، وإلا فإنه سيلقى عقوبات لا تخطر له على بال؛ فهو بكلامه هذا يثير أزمة في البلاد، ويربك الأمن العام.

اضطر الطبيب إلى الصمت، وانتقلت العدوى إليه، وقضت عليه وعلى آلاف غيره في تلك البلاد، وبلاد أخرى غيرها.

- ما قصدك من وراء هذه القصة؟

- ما أود قوله هو أن الأطباء هم الجنود المجهولون في البلاد، يكدحون ليل نهار في تطبيب آلام الناس وجراحهم، أما هم فلا يجدون من يطبب آلامهم وهمومهم، يناوبون ساعات طويلة في الأوقات العادية، وفي حالات الطوارئ يستمرون على رأس عملهم أيامًا عدة، لا ينامون إلا ساعات قليلة، ويبذلون ما بوسعهم، يداوون الأجساد والأرواح والقلوب.

وإذا طالبوا بزيادة رواتبهم أو إحقاق بعض حقوقهم؛ خرج رئيس دولة يصمهم بقول: "حقيرون"؛ فهل من يسهرون ليلًا ويجدُّون نهارًا حقيرون؟!، ألأنهم يطالبون  بزيادة رواتبهم ليتمكنوا من العيش بكرامة، حقيرون أيها الرئيس؟!

لنعد إلى الطبيب ذي الاسم الغريب، لو أن حكومته تعاملت معه باحترام منذ البداية، وأخذت ملاحظته على محمل الجد والاهتمام، أما كان الحال أفضل مما هو عليه الآن؟!، المسكين دفع حياته ثمنًا لعنجهية الحكومة والمتنفذين الذين ينفردون بالقرارات فيها، ويعدون ما يرونه هو الصواب ولا الصواب غيره.

بعد هذه المقدمة الطويلة، أود أن أقول: لا بد أنكم شاهدتم فيديوهات الشعوب المتقدمة والمتطورة وهم يتهافتون بهلع على شراء الكمامات والمعقمات ويكدِّسون المواد الغذائية في بيوتهم وكأنهم على أبواب حرب إبادة، كلٌّ فيها يخشى على نفسه، فما الذي يدفعهم إلى ذلك يا تُرى؟، وهل نفهم من ذلك أن الضغط النفسي والكبت والتوتر تهبط بالإنسان إلى السلوكيات التي يشترك فيها مع بقية الحيوانات؟