فيروس كورونا.. عقوبة أم ابتلاء؟

...
غزة- هدى الدلو

مع انتشار فيروس كورونا في العديد من دول العالم تكثر الأقاويل والتفسيرات حول هذا المرض المتفشي، هل هو عقوبة ربانية أم ابتلاء لمدى الصبر والثبات؟

عن ذلك يقول العضو الاستشاري لرابطة علماء فلسطين أحمد زمارة: "الإنسان بنيان الله، وهو خليفته في أرضه، وأحسن خلقه وآته العلم والحكم والعقل، لهذا أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نحافظ على أنفسنا من الإتلاف أو الإفساد أو الإهلاك قال الله سبحانه وتعالى: "وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"".

ويضيف زمارة لصحيفة "فلسطين" أن الإسلام جعل التداوي من الأمراض وطلب الشفاء أصل ثابت من أصوله، بل حث عليه وطلب من أتباعه أن يطلبوه، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشد أمته ويلفت انتباههم لأمر الشفاء والتداوي، فعن أسامة بن شريك قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلَّا وضع له دواء غير داء واحد الهرم".

ويشير زمارة إلى أن العلاج من خلال الإيمان بالله تعالى، وبالقضاء والقدر، وإرجاع الأمر كله إلى الله مع الأخذ بجميع الأسباب المتاحة لدفع المرض، وسبل الحيطة والوقاية قبل الوقوع والإصابة، ثم الأخذ بجميع الأسباب المتاحة للعلاج والشفاء.

ويذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم ينزل داءً، أو لم يخلق داءً إلَّا أنزل أو خلق له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله إلَّا السام، قالوا: يا رسول الله، وما السام؟ قال: الموت"، فهذا الحديث يعطي أملًا لكل مريض بأن لكل داء دواء.

ولكن هل المرض بلاء أم ابتلاء؟ يجيب زمارة: "وفق قول الشيخ محمد صالح المنجد أنه إذا كان المبتلى كافرًا فلا يمكن أن يكون بلاؤه لرفعة درجته، فالكافر ليس له عند الله وزن يوم القيامة، ولكن قد يكون في ذلك عبرة وعظة لغيره بألا يفعل مثل فعله، وقد يكون من ذلك من عاجل عقاب الله له في الدنيا، زيادة على ما ادخره له في الآخرة، لقوله تعالى: "أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ".

ويبين أنه إذا كان المبتلى مسلمًا عاصيًا مجاهرًا، أو فاسقًا ظاهر الفسق فقد يغلب على الظن وجه المجازاة والعقوبة بهذا الابتلاء، لأن تكفير السيئات أسبق من رفع الدرجات، والعاصي أحوج إلى تكفير سيئاته من رفع درجاته، وفي المقابل إذا كان المسلم عابدًا صالحًا، ليس بينه وبين الله إلا العبودية الحقة، والشكر والحمد والإنابة فهذا يغلب على الظن في ابتلائه وجه المكرمة ورفع الدرجات.

ويتابع زمارة حديثه: "وعلامة الابتلاء تكفيرًا وتمحيصًا للخطيئات هو وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات، وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف".

ويلفت إلى أنه الأولى أن يحسن العبد الظن بربه دائمًا، فالله سبحانه وتعالى هو أولى بالجميل، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.

من جهته، ينبه أستاذ مشارك في الفقه وأصوله بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية د. زياد مقداد إلى انتشار فيروس كورونا في مشارق الأرض ومغاربها، فلم يقف الوباء عند الدول غير المسلمة، بل شمل دول المسلمين.

ويقول مقداد لصحيفة "فلسطين": "كل ما يحدث في هذا الكون هو من إرادة الله عز وجل القادر على كل شيء، فبيده النفع والضرر، والشفاء والمرض، فذلك من متطلبات الإيمان بالقضاء والقدر، ولكن الله تعالى رحيمًا بالناس جميعًا، ومن وجوه رحمته وحكمته أنه كلما ابتعد الناس عنه ودنو في المعصية يرسل إليهم بعض الرسائل ليعودوا إليه".

ويتساءل عن كم انتشر الظلم من الحكومات القوية اتجاه شعوبها الضعيفة، وانتشار المعاصي والفساد في البر والبحر، متابعًا د. مقداد: "ولذلك فليس غريبًا أن تقع عقوبة من الله على العصاة والمتمردين على طاعته، لقوله تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ".

ويبين أن هذه الرسائل الإلهية في الحقيقة ذو حدين، عقوبة ورحمة لعودة الناس إلى الاستقامة، كما أنها ليس موجهة للكفار فحسب، لافتًا إلى أنه لا داعي أن يشمت أحد بأحد، بل على الجميع أخذ العبرة والموعظة، فما يدور بالكون بأمر الله.