بلا مناسبة

مع كل إشراقة شمس نكاد نحتفل بمناسبة أو ذكرى، نحتفي بمعلمٍ أو طبيب، أو عاملٍ أو أسير، تتزاحم الذكريات والأيام، نحيي يوم أرض أو نسعد بقدوم يوم أم أو مرأة.

وبصراحة شديدة لست ضد التكريم والاحتفاء ذاته، ولستُ أقل حبًّا وتقديرًا للمُكَرمين، ولستُ أقل عشقًا لأمي وأرضي، بل ربما أكثركم تضامنًا مع سجين وجريح وشهيد، لكن ما يحزنني أن ترتبط المحبة ومستويات التقدير بلحظة أو يوم فقط، وتعود المياه إلى منابعها، وتجف المشاعر في العروق، ويتلعثم اللسان خوفًا من كلمة عشق أو محبة أو مودة، ويتمترس خلف سلوك يومي قاسٍ.

بالأمس يوم المرأة وبعد أيام عيد الأم، وجهان لعملة واحدة مضافًا إليها أخت وابنة، إنها الفتاة الفلسطينية والشابة الغزية، التي تحمل بين ثنايا ابتسامتها أملًا وطموحًا، ورغبة في العيش لا تُقاوم، بل تُقاوِم رائحة الموت المنثورة في المكان والمُعطّلة للزمان.

كيف لا وأمها خديجة وَجَدتها عائشة، وخَالتها أُم سَلمة، لا تنظر تحت قدميها، عيناها تسافران إلى هناك حيث العز والفخار، إلى القمة تسعى؛ وإلى المجد تسير؟!

نحتفي دومًا وبلا مناسبة بالشابة الفلسطينية: الطالبةِ؛ وربةِ البيت؛ والعاملة الكادحة؛ التي كانت ومازالت سندًا وشريكًا، عونًا ومعينًا؛ أمًّا وزوجة أختًا وابنة.

هكذا تربينا وتعلمنا من آبائنا، أن البيت مصباحه الأم، وَقوده الأخت، نشأنا ببيتٍ البنتُ هي المدللة بصحبة أبيها، الحافظة لسر أخيها، الأقرب لحضن أمها، المصونة الرقيقة، تحتمي بكتف إخوتها من نسمة تجرح خَدّيها، أو لسعة شمس خجولة تضرب جبينها، هي حبيبةُ الطفولة وسندُ الرجولة.

لا تنتظر يومًا لنكرمها أو موسمًا لنعبر عن حبنا وعشقنا، لا؛ فهي الزوجة والابنة والأخت، وفوق كل ذلك الأم والروح.

أيعقل -يا سادة- أن يكون للأم يومًا في العام نحتفي بها، ونعود لتفاصيل حياتنا لتنتظر ساعات حب في الحلقة القادمة من العام التالي؟!، عن أي حب تتكلمون؟!، آهٍ لقسوة قلوبكم وجفاء مشاعركم!، كيف استطعتم وفي بعدكم شقاء لكم وعناء؟!، حتى هذا اليوم كثيرًا ما ترك خلفه عيونًا دامعة وقلوبًا منكسرة من نسيان وتفقد لأم أو أخت أو زوجة، ترك جرحًا غائرًا وألمًا دائمًا.

أحبتي هي دعوة للحب والوصال، رسالة مفتوحة معلومة العنوان والمسار بأن تبقى المرأة قِبلَة المُحبين بلا مناسبة أو توقيت، فلا مواسم للحب والعشق، وقلوب الرجال مفاتيحها امرأة، تبدأ بأم حنون، وأخت ناعمة، وزوجة حبيبة، حلقة متكاملة من السيدات يحلقن في فلك الرجل لترسم له معالم حياة جميلة عنوانها أنثى.