تقرير على قمة جبل "العرمة".. معركة بين هوية المكان ومطامع السيطرة

...
صورة من رباط الفلسطينيين على قمة جبل "العُرْمَة"، جنوبي مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة - الأناضول
غزة- يحيى اليعقوبي

تقف قمة جبل العرمة الواقعة ببلدة بيتا في نابلس، أمام مطامع الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه في تنفيذ عدة مخططات استيطانية منها شق طريق رئيسي يربط مستوطنة "ايتمار" بمنطقة الأغوار، إذ تعتبر "بيتا" البلدة الوحيدة بنابلس التي لم ينجح الاحتلال في إقامة أي بؤر استيطانية عليها.

ويشعر المواطنون بخطورة ما يتعرض له الجبل من مؤامرة، فيعتصمون على قمته ويساندهم بذلك ليس فقط أهالي بلدة "بيتا" بل كل القرى والبلدات المحيطة، وأمام الصمود ومطامع السيطرة تشهد القمة حالة غليان وصراع كبير في ظل مواصلة الاحتلال الاعتداء على المعتصمين أسفرت آخرها أمس عن استشهاد الطفل محمد حمايل (15 عاما) وإصابة 17 آخرين، إثر اعتداء قوات كبيرة من جيش الاحتلال عليهم فجر أمس.

وكان مئات المواطنين توافدوا ليلة أول من أمس، إلى قمة جبل العرمة التابع لأراضي البلدة واعتصموا فيه، في ظل دعوات لاقتحامه من المستوطنين، قبل أن تداهم عدد من الجيبات العسكرية التي اقتحمت الجبل فجرا وهاجم الجنود الاعتصام، بإطلاق وابل من الأعيرة النارية والمعدنية وقنابل الصوت والغاز باتجاههم، ما أدى إلى وقوع الإصابات.

واكتسب الجبل أهمية تاريخية تعود للعصر البرونزي المتوسط (الكنعاني) قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، ويرتفع الجبل نحو 843 مترا عن سطح البحر، وتقدر مساحة المنطقة الأثرية بستين دونم.

وتعتلي قمة الجبل خربة سكنت قديماً جعلت منه قلعة تعاقب عليها الأمويون والعثمانيون والرومان (حقبة الملك هيردوس) وتحوي سبعة "حبوس"، وهي غرف صغيرة استخدمت خزانات لمياه الأمطار ونقلها عبر قنوات خاصة، ويتسع الواحد منها لـ1500 متر مكعب، في حين استخدم جزء من القلعة الأثرية مقابر قديمة وسجونا، فضلا عن تحويل جزء منه لمقابر وسجون أيضا.

وقال الناشط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بشار القريوتي إن الاحتلال يحاول بشتى الطرق قمع المواطنين وأن ما جرى بجبل العرمة باستهداف المعتصمين والاعتداء عليهم من قوات الاحتلال جريمة حرب، مشيرا إلى أن أهالي بيتا وكافة القرى المحيطة يقفون وقفة رجل واحدة للتصدي للاحتلال الذي يحاول السيطرة على التلة.

وأضاف القريوتي لصحيفة "فلسطين" أن هناك حشودا كبيرة من المواطنين الذين يتوافدون للاعتصام وإفشال مخططات الاحتلال، مبينا أن الاحتلال يخطط للسيطرة على جبل العرمة باعتباره منطقة استراتيجية وسط الضفة الغربية ومنطقة مرتفعة تقع بالقرب من بؤر استيطانية يحاول الاحتلال ضمها، فجاء الجبل كشوكة في حلق هذا المخطط، لمنع إقامة مستوطنة على قمة الجبل والسيطرة عليها.

وتابع: " تشهد قمة الجبل معركة كبيرة بين الصمود والسيطرة، يستبسل فيها المواطنون الفلسطينيون في الاعتصام وصد الاقتحامات الإسرائيلية بأي ثمن"، مبينا أن قتل الاحتلال للفتى محمد حمايل جاء كرسالة متعمدة للشباب.

ووفق القريوتي فإن هناك رسائل تهديد من الاحتلال تصل للمعتصمين تطالبهم بإخلاء التلة والسماح للمستوطنين بالدخول إليها، لكن المتضامنين لم يكترثوا لها ويواصلون الصمود، والتصدي لمحاولة المستوطنين الوصول لقمة الجبل.

وبحسب الناشط في هيئة مقاومة الجدار، فإن الأوضاع تشهد تزايدا في الاعتداءات والتجريف للأراضي وعربدة المستوطنين، الذين يقفون على مداخل المستوطنات للبطش بالناس.

من جهته، قال الباحث في الأرض والتراث حمزة العقرباوي: إن" الجبل واقع على منطقة قريبة من مستوطنة "إيتمار" التي تصنف كأسوأ المستوطنات جنوب نابلس، ويسعى الاحتلال للسيطرة على قمة جبل "العرمة" لشق طريق رئيسي يربط المستوطنة بالبؤر المحيطة بها".

وأضاف العقرباوي لصحيفة "فلسطين" أن الجبل هو القمة الوحيدة التي لم يتمكن من السيطرة عليها؛ وإن نجح في ذلك فإنه سيكون قد سيطر على كل الجبال المرتفعة جنوب شرق نابلس، مشيرا إلى أن الاحتلال يطلق يد مستوطني ايتمار للاستيلاء على قمة الجبل.

العلاقة بين الفلسطينيين والجبل علاقة مبنية على استمرار التواجد والارتباط بأرض الآباء، وهذا ما يفسر سبب استبسالهم في صد اعتداءات المستوطنين كونه جزءا من روحهم. وفق العقرباوي

ورد على مزاعم الاحتلال بأنه سيسعى للحفاظ على الموقع الأثري، قائلا: إن" الاحتلال سيطر على كل التلال المحيطة ولم يكن لها بعد أثري في نظره".

 وبين أن حجة الاحتلال تمهد للسيطرة على كل أراضي "بيتا" الشرقية، وبأن السيطرة على الجبل تعني إيقاف التوسع العمراني للبلدة، وتعني احتمالية شق طريق استيطاني يربط بين مستوطنة ايتمار وشارع زعترة بالأغوار، وإنهاء التواصل الحضاري العربي بإقامة بؤرة خطيرة فوق سفوحه، وهذا ما يفسر سبب اعتصام الناس على تلته كونهم يستشعرون خطورة الأمر.