المرأة والأم والكرامة والأرض.. هل آذار شهر الإناث والعزّة؟

يطل آذار علينا مرة أخرى.. في جعبته الكثير من الشذا والجمال والينع والحب.. والهموم أيضاً.

الأرض ارتوت بقطر السماء، ودماء الشهداء، فأنجبت شقائق مشبعة بلون الدم القاني.. نثرتها في كل مكان على جبال فلسطين، ووديانها وسهولها..

تأنقت الأقاحي واختالت الزنابق وشمخت برؤوسها عالياً وتهادت بين أبسطة العشب الأخضر اللامتناهي..

العصافير تقافزت وتزاوجت وشقشقت بفرح.. ومضت تحتضن بيوضها وفراخها

الحجل نسج أعشاشه ووضع بيوضه وغنَّى أغاني الربيع الثائرة

الفراشات البيضاء والملونة تطايرت بثقة وخفَّة بين الزهور البرية المزركشة، تمتص الرحيق هنا، وتحط هناك.. تسابق أيامها القليلة قبل أن يطويها الردى

أما أشجار اللوز والدرَّاق التي تشبثت بصخور الجبال وتربة الوديان، فلها حكاية أخرى من الخصب والجمال.. براعم ونوَّار بعضه أبيض وكثير منه متورِّد تكاثف ببذخ على الأغصان الداكنة الجرداء التي صارعت قسوة الطقس في الخريف الماضي وموسم البرد.. كساها النُّوار حتى غدت مثل ملكات ترتدي ثياباً فاتنة تليق بجلالتهن وتبرز عظمتهن.

يأبى آذار أن يعبر قبل أن يتذكر حرائر فلسطين وينحني أمامهن إجلالاً وتوقيراً.. خنساواتها، أسيراتها، استشهادياتها، جريحاتها، مجاهداتها، أمهاتها، معلماتها، طالباتها، مزارعاتها، العاملات في كل مجال فيها، وربات البيوت ومربيات الأبناء، والمحاصرات في أكثر بقعة أرضية كثافة.. هناك في قطاع غزة الحبيب المحاصر.. يرسل آذار لكل واحدة منهن تحية تقدير وإكبار وكثير من الحب والدفء.

في الثامن من آذار تحتفي فلسطين بنسائها وأمهاتها.. تتزين بأكاليل الورود البرية وأغصان الزيتون وتتخضب بدماء الشهداء وتتعطر بعرق الفلاحين والعمال والمرابطين على الثغور ومن يكدُّون ليل نهار يكملون الدرب ويطوِّعون الصخور ويعطون بلا حساب.

يأتي آذار وفي جعبته الكثير من الحكايا والذكريات التي لا تُنسى والانتصارات والنجاحات.. حكايات تاريخ وضاء، وشواهد لشهداء وشجعان وأبطال، وأرض خيِّرة تشتاق لأبنائها وترفض الغريب الدخيل الذي يتعدى عليها ويدَّعي ملكيتها ويبذل ما بوسعه لسلبها واغتصاب خيراتها وتاريخها.. يعيد سرد الحكايات على مسامع الكبار ليذكِّرهم بها خشية أن يكون بعض النسيان قد مس ذاكرتهم.. ويتلوها على مسامع الصغار حتى يعرفون تاريخهم ويحفظون أسماء أبطالهم وحكايات الوطن والفداء.. فتتأصل فيهم فلسطينيتهم وتتجذَّر عروبتهم في نفوسهم ويترسَّخ إسلامهم في كل خلية في أجسادهم.. فيكملون الدرب ويسيرون على النهج ذاته.. "عرب مسلمون فلسطينيون".

آذار يرتبط في النفوس بذكرى الشيخ المجاهد أحمد ياسين، وإخوانه الشهداء.. كما أن آذار يتعطر بشذى دمائهم.. ويستذكر بصمتهم الواضحة في تاريخ فلسطين وقضيتها.. والإرث المشرِّف الذي خلَّفوه ورائهم.. والدرب الواضح الذي شقُّوه لأبناء فلسطين ومن يسير على درب الجهاد والفداء.. أبطالها وأحرارها من بعدهم فلا يضلوا الطريق.. طريق العزة والكرامة واستعادة المسلوب من الأرض.. من بحرها إلى نهرها.. ومن شمالها إلى جنوبها، 27027 كيلومتر لا تنقص شبراً واحداً.. حتى لو كان الثمن فادحاً، لا يهم.. ففلسطين تستحق.

برغم الهموم والأحزان التي تطبق فكيها على القلوب، والإحباطات الكثيرة التي تتوالى على النفوس ، والضغوط التي تكبت الأحرار وتضيق عيشهم، إلا أن آذار قدِم هذا العام- كما هو دأبه دائماً- خفيف الظل مبتسماً طافحاً بالعطر والألوان والدفء والفرح.. يبذل ما بوسعه لإزاحة الحزن الذي فاض في القلوب.. يستبدله بكثير من البهجة والأمل والهمة العالية ويبث الأمل في كل مكان ويتعهد بغد أجمل.. ويعد بحرية وانعتاق ومزيد من الخصب والعطاء.

فإلى حرائر فلسطين وأبطالها وشجعانها ألف تحية وسلام.

وإلى غزة الحبيبة ومجاهديها نهديكم إكليل غار .. نكللكم به في آذار ويوم التحرير على أبواب القدس.