انتهاكات وسلوك فلسطيني يضعف القدرة على مواجهة صفقة القرن

في أوقات الأزمات ومواجهة التحديات الخارجية الكبيرة؛ تتجه كل المجموعات والأطر والدول، إلى التآزر والتماسك ولأم الجراح الداخلية، لبناء حائط صد قوي ومنيع يواجه هذه التحديات ويبطل مفاعيلها المختلفة.

هذا ما يفترض، وفق التفكير السوي والعقلاني، وما يحدث في أغلب أرجاء العالم، ولكنه يبدو غائبًا، وبعيد المنال في الحالة الفلسطينية، في وقت تواجه فيه واحدة من أعتى المخاطر المتمثلة في وعد جديد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإسرائيل، عبر خطته للسلام التي يطلق عليها صفقة القرن.

ورغم أن السلطة الوطنية، ومعها كل الفصائل الفلسطينية، أعلنت موقفًا رافضًا لهذه الصفقة؛ إلا أن مواجهة محاولات فرض هذه الصفقة وتنفيذها على أرض الواقع، بقيت غالبًا أسيرة البيانات والخطابات والفعاليات الشعبية المحدودة؛ دون تأثير حقيقي كبح جماح سياسة الأمر الواقع التي تسير وفق الهوى الإسرائيلي تمامًا.

وذهبت أو كادت تذهب أدراج الرياح، تصريحات تدعو للوحدة في الأيام الأولى لإعلان الخطة الأمريكية في 28 يناير 2020، على وقع اتصال هاتفي يتيم بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، الذي عوّل عليه البعض في فتح صفحة جديدة في العلاقات الوطنية الداخلية، أمام التحديات الجديدة.

ما هي أيام من ذلك، إلا ونكتشف، أنه حتى اللقاء الوطني؛ رهن أجندات وحسابات، غلبت الحزبي على الوطني. وضاعت هذه المحاولة بين تبادل اتهامات وتراشق وجدل عقيم؛ يدلل على عدم إدراك خطورة ما يجري ترتيبه على حساب الحق الفلسطيني الثابت.

الأخطر، والمثير للريبة والشك، أنه بدلًا من بدء خطوات لرأب الصدع الداخلي، وجدنا خطوات في الاتجاه المعاكس، من شأنها إضعاف القدرة الفلسطينية على مواجهة ما يجري التخطيط له بل وتنفيذه لتصفية وإنهاء واحدة من أعدل القضايا في العالم.

فبجردة حساب سريعة، منذ إعلان صفقة ترامب، لحظنا ارتفاع وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان، التي تقترفها الأجهزة الأمنية الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، وأبرز ملامحها خلال هذه المدة القصيرة ما يلي:

-      ازدياد ظاهرة الاعتقال السياسي، إذ لا تتوقف لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة عن نشر الحالات يوميا، والتي قارب عددها خلال أقل من شهر عن 60 حالة، فضلا عن الاستدعاءات والملاحقات، وجميعها، تتضمن متوالية من الانتهاكات، المتعلقة بالحجز التعسفي، وعلى خلفية حرية التعبير، أو الانتماء السياسي، أو حتى العمل المقاوم.

-      استمرار نهج تعذيب المعتقلين خلال التحقيق معهم، حيث توالت الشهادات عن ذلك ولا يزال المعتقل السياسي مؤمن نزال قيد الاعتقال يعاني من آثار التعذيب.

-      فض التجمعات السلمية بالقوة، وكانت المفارقة في فض تجمع سلمي لحزب التحرير في جنين، رافض لصفقة القرن.

-      الاستخدام المفرط للقوة، والذي أفضى لقتل الطفل صلاح زكارنة البالغ (15 عامًا) من بلدة قباطية بمحافظة جنين، في 18/ 2/ 2020، أثناء قيام الأجهزة الأمنية بفض حفل استقبال أحد الأسرى المحررين في سجون الاحتلال، والذي يمثل في حد ذاته انتهاكا آخر، وسلوكًا وطنيًّا معيبًا؛ بالنظر لمكانة الأسرى الفلسطينيين في المجتمع الفلسطيني.

-      استمرار أجواء القيود على الحريات العامة والإعلامية التي تتيح مساحات متساوية لجميع الأطراف للتعبير عن رأيها، بحرية.

وسط كل هذه الحالة، التي تضعف التماسك الداخلي، وجدنا في المقابل إصرارًا على استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك التعاون الأمني مع المخابرات الأمريكية، وهو ما ورد في تصريحات واضحة وحاسمة من أكثر مسؤول فلسطيني، من أحدثهم، تصريح الناطق باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، الذي حاول تبهيت الحقيقة المرة بتهديد غير محدد بسقف، باحتمال عدم بقاء هذا التنسيق للأبد، وهو استمرار للغة تهديد لم تنفذ منذ سنوات.

ولا يخفى أن هذا التنسيق والتعاون الأمني، يشكل انتهاكا لقواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان؛ لما يترتب عليه من انتهاكات جسيمة. فكل جريمة تقترفها قوات الاحتلال، من اعتقال وتعذيب وحجز غير قانوني، وهدم لبيت أسير، أو إبعاد أ وغيره من سائر الانتهاكات؛ اقترفت بناء على معلومات أمنية قدمتها أي جهة فلسطينية؛ فإن هذه الجهة شريكة في هذه الجريمة، وتستوجب المحاسبة.

وكان من المؤسف ابتداء، بعض ما ورد في خطاب الرئيس الفلسطيني، أمام مجلس الأمن، الذي قدم فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، كرجل سلام، في حين أنه مجرم حرب؛ في عهده شنت إسرائيل حربها الأولى على غزة (عدوان 2008-2009) التي استمرت 21 يومًا قتلت خلالها قوات الاحتلال أكثر من 1436 فلسطينيًّا بينهم نحو 410 أطفال و104 نساء ونحو 100 مسن، وأصابت أكثر من 5400 آخرين نصفهم من الأطفال، فضلًا عن التدمير غير المسبوق في المنازل والبنى التحتية، الذي أدى لتشريد مئات الآلاف لسنوات.

في المحصلة، دون اتخاذ قرارات سريعة واستراتيجية بوقف هذا الانحدار، وتصحيح المسار؛ لجهة قطع العلاقة مع الاحتلال؛ لصالح التوحد الداخلي، وإعمال معايير حقوق الإنسان، والاستثمار في الإنسان؛ فإن القدرة على إفشال سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية المدعومة أمريكيا، ستبقى ضعيفة ومهزوزة، بانتظار تغيير حقيقي؛ يعيد بناء الصفوف ويصحح مسار التوجهات السياسية.