حماس وتحديات الجيل الرابع من الحروب

...

منذ أن خلق الله الخلق؛ ووزع الرزق؛ رضي قوم بما قسم لهم فأمنوا وأُمن جانبهم؛ ولم يرضَ قوم آخرون؛ فسعوا للبحث عن توسيع مناطقهم على حساب غيرهم، فنشأت الخلافات واشتعلت الحروب، وسفكت الدماء، وسبي الأطفال والنساء.

وحيث إن الله وهب الإنسان وميزه عن سائر مخلوقاته بالعقل والتفكير واستخلاص العبر، فإنه -الإنسان- على خلاف سائر مخلوقات الله الأخرى كان بعد كل جولة من جولات صراعه مع أخيه الإنسان، يخلد لنفسه، أو تخلد القبيلة والعشيرة لنفسها، فتبحث في سبب الصراع وأصله، وما ارتكبته في أثنائه من أخطاء وتقصيرات؛ علَّها في الجولة القادمة تتلافى هذه النواقص؛ فتجابه عدوًّا أو تقلل خسائر، أو تنتصر بأسرع وقت وأقل تكلفة، فتوسع مناطقها وتحمي مصالحها، وتكثّر من موارد رزقها، ويُخشى جانبها فلا تغزى ولا تهدد؛ فيطيب لها الحال ويهنأ لها المقال.

ومن هنا وانطلاقًا من ميزة التفكير واستخلاص العبر والدروس، فقد مرت الحروب والصراعات في مراحل، وانتقلت من جيل إلى جيل ومن نمط عمل إلى آخر، ومن وسائط للقتال بسيطة التحضير والتشغيل إلى ما هو أعقد منها تحضيرًا وتشغيلًا، إلى أن وصلنا إلى عصر الطائرات الشبح والمسيرة عن بعد، وصواريخ تُحمل إحداثيات ومواصفات الهدف؛ فتبحث عنه من بين مئات الأهداف في ساحة المعركة لتضربه وتدمره دون أن تعرِّض جواره القريب فضلًا عن البعيد لأي ضرر أو خطر.

والمتتبع لمسار تطور الحروب؛ شكلًا ومضمونًا، أهدافًا وطرق عمل، وسائط وآليات تشغيل؛ يرى أنها قد مرت حتى الآن بأربعة أجيال:

1. فالجيل الأول؛ جيل حرب روما مع إسبارطة، ومسلمي المدينة مع كفار مكة، وصلاح الدين الأيوبي مع صليبيي بيت المقدس، كان يُرى جيشان في ساحة معركة واحدة، يرى أحدهم الآخر، ويصطف فرسان هؤلاء أمام فرسان أولئك، ويعلو صوت الطبول، ليتقدم فارسان أو أكثر من فرسان القوم المتحاربين، عارضين عليهم المبارزة والتحدي، فيتبارزا بسيفيهما وترسيهما، فيقتل أحدها الآخر فتنتهي المعركة عند هذا الحد، أو يخسرها نفسيًّا ومعنويًّا من قتل فارسه، فيخوضها خائر القوى والعزيمة، ثم بقيت الحرب على هذا المنوال إلى أن دخلت جيلها الثاني.

2. فخاضها جنود حاملو بنادق يعاد تذخيرها بعد كل طلقة، ولم تكن هذه البنادق آلية الرمي أو دقيقة التصويب، ثم دخلت الدروع والدبابات ومدافع الميدان، فكان الجندي يقتل خصمه دون أن يراه أو يتحقق من تفاصيل وجهه، فتعقدت ساحة المعركة، فلم نعد نرى فرسانًا يتنادون للمبارزة أو التحدي، وإنما هي نار تُتبادل، ووحوش حديدية تتحرك مسرعة، لسحق الخطوط الأمامية للجبهة المعادية، فيخسر من يقتل منه عدد أكبر، أو تخترق آليات وجنود عدوه أرضه فتحتلها وتقيم عليها سلطة احتلال، فكان التهديد يرى مواجهة، فلا خشية أو تهديد من السماء ما لم تكن طلقة مدفع يتقى منها بغار أو بسقف.

3. ثم دخلت الطائرات على بساطة شكلها وبداءته ابتداء ثم تَحدَّثت، فأعطت للمعركة بعدًا ثالثًا، بعد أن كانت أبعادها مقصورة على البر والبحر، وبدأنا نسمع بالمناورة القائمة، والمناورة الرأسية، وحسم المعارك من الجو، والمعركة الجو أرضية، وأصبح التهديد يطال عمق أراضي البلاد ولا يقتصر على ساحة المعركة، ففي الوقت الذي كان يخشى فيه الجندي المقاتل على نفسه من الموت في ساحة المعركة، أصبح يخشى على أهله وبنيه وعائلته في عمق بلاده، فأضيف الضغط النفسي إلى الضغط المادي، على الجنود والقادة في مختلف المستويات والجغرافيات.

4. ثم وصلنا إلى الجيل الرابع من الحروب، جيل الحرب غير المتكافئة، الحرب التي تستخدم فيها جميع وسائل ووسائط الضغط النفسي والمادي على الجنود والقادة، في مختلف الجغرافيات والمستويات؛ حرب تخاض غمارها في مسارح العمليات، حيث الدماء والأشلاء، كما خلف شاشات الكمبيوترات وعدسات الكاميرات، حرب قد يساوي فيها أثر ضغطة زر في لوحة تحكم بعيدة كل البعد عن ساحة المعركة، أضعافًا مضاعفة من القنابل والبارود، فتشل الأولى حيوات كثيرة؛ بقطع الماء أو الكهرباء أو سبل عيش عن الناس، فتحدث خلًا في الجبهة الخلفية للقوات المقاتلة، ما ينعكس هزيمة مدوية في ساحة المعركة، فتُهزم حيث كنت متقدمًا، وتُقتل حيث كنت تَقتل، حرب لا يقال فيها كما سابقاتها من الحروب: أين العدو؟ وإنما يقال فيها: من العدو؟

إن هذا النوع من الحروب هو ما تواجهه حماس في هذا الوقت من الزمان، وهي ما يجب أن تُعد العدة (ماديًّا وبشريًّا) له؛ و من صفات هذه الجيل من الحرب أنها:

1. ذات مجالين أو بعدين؛ سياسي وعسكري، فلا يصلح خوضها دون هدف أو فهم سياسي، فالحنكة هنا لا تقتصر على كيفية المناورة بالقوات والتشكيلات في ساحة المعركة فقط، بل تتعداه إلى الساحة السياسية، فإن كنت قويًّا في البعد العسكري، ضعيفًا في الشق السياسي، أو لديك وضوح رؤيا في الأولى وضبابية في الثانية، فقد يجوف نصرك الميداني من معانيه ولا تستطيع أن تجني نصرًا مما زرعته من الدماء والأشلاء. وعليه يجب أن يعرف القادة السياسيين ماهية الأهداف التي تخاض الحرب على أساسها، كما يجب عليهم أن يُعّرفوا النصر في المعركة تعريفًا دقيقًا، حتى لا تختلط الأمور، وتضيع التضحيات.

2. كما أن من صفات الحروب الحديثة، تكوين وتشكيل الأهداف الافتراضية؛ فيقوم العدو (قاصدًا) برسم صورة أكبر وأخطر بكثير مما خصمه عليه، هادفًا من ذلك إلى جعل عدوه يعيش حالة الانتشاء والغرور، ما يدفع المراقب عن بعد للاعتقاد أن ما استخدم من وسائل قتل وتدمير؛ إنما يبرره ضخامة هذا العدو، فيصبح القتل والدمار مبررًا، كما يصعب مع مثل هذا الصورة وهذا الوضع كسب الرأي العام إلى صفك؛ هذا لا يعني أن يقوم أبناء الحركة بتكذيب كل ما ينشر أو يقال حول تطور قدراتهم؛ وإنما المطلوب في مثل هذه الحالات التزام الصمت وتبني سياسة الغموض؛ فهي (سياسة الغموض) في حد ذاتها سلاح فعال في حروب الجيل الرابع، فكيف تحّيد تهديدًا لا تعرف كنهه وحجمه وجهته؟

3. في هذا النوع من الحروب، لا يقتصر مسرح العمليات، على ساحة العمل التي تراها أو تشتبك مع عدوك فيها، وإنما يتعدها إلى ما بعدها، إنها حرب قد يتزامن فيها الفعل الأمني مع النشاط العسكري أو يسبقه، والعكس صحيح؛ فقد تكون مشتبكًا مع عدوك في ميدان المعركة الخشنة، ولكنه يستهدفك في ساحة عمل أخرى، فيقتل قائدًا أو سياسيًّا أو فنيًّا، فيخلط الأوراق ويبدل الأوليات ويصرف الانتباه.

4. وهي حرب لا تسير سيرًا خطيًّا، كما كنا نرى سابقًا، ففارس يقتل فارسًا، يلي ذلك سهام تتطاير، ثم مشاة يتقدمون، أو طلعة جوية تدمر أهدافًا ثم تمهيدٌ مدفعي يليه تقدم بري، إنما قد تبدأ بضربة في عمق الجبهة الداخلية للبلد؛ تدمر مراكز الثقل؛ من منشآت ومبانٍ، وتقطع الأوصال، وتفقد السيطرة، وفي الوقت نفسه؛ قصف مدفعي يدمر خط جبهتك ويشتت جهازك الدفاعي، فتقع بين حجري رحى الحرب، ففي المقدمة دماء وأشلاء، وفي المؤخرات؛ حيث يفترض الاستقرار والسيطرة؛ أولويات تفرض نفسها، فلا تحتمل التأجيل، فما لم يعاد ضبطها وترتيبها؛ فالخلل في المؤخرة يصبح هزيمة في المقدمة، والثغرات في الخطوط تصبح معابر، وعندها فالهزيمة محققة والخسائر غير معوضة.

إن مثل هذا الجيل من الحروب، يتطلب يقظة وحنكة واحاطة بالمشهد في كل أبعاده، وقدرة على التحكم في مكوناته وأجزائه، ومعرفة متى يُقدّم هذا ويؤخّر ذاك، ولمن نخصص القدرات ومتى؟ وممن نختصر وكيف؟ إنها حرب تتبع سننًا كونية وقوانين وقواعد فنية وتخصصية؛ المنتصر فيها من يراعيها، ومن لا ينام لعدوه ولو كان نملة.

 

المصدر / بقلم / عبد الله أمين