أم المعتقل بثلاثة مؤبدات تامر البرغوثي في ذمّة الله

من يحمل على عاتقه إخبار المعتقل بوفاة أمه؟ وكيف سيجعل من هذه المصيبة تهبط في قلبه بسلام؟ المهمة في غاية الصعوبة وفي أشد درجات القسوة لأن ناقل الخبر يدرك بكل مشاعره حجم هذه المصيبة، يتخيّل نفسه وقد جاءه خبر فقدان منبت روحه وأصل خلقته ودفء طفولته وملاذه الجميل الذي يتوق إلى عناقه كي يذوب فيه ويضمه بحنان الماضي كلّه، يمسح أثقال حبسة طويلة وليتطهّر من أدرانها وأحمالها القاسية.

الأسير تامر البرغوثي كان آخر من هبط في قلبه خبر وفاة أمه، كان خبرا قاسيا مؤلما مريعا، أنّى لهذا القلب الصغير أن يتحمّل خبرا بهذا الحجم؟ تطير كلمات التعزية والمواساة وتبقى صخرة ثقيلة متمددة تملأ كلّ فراغات صدره، يكاد صدره يلفظ القلب ويلقي به بعيدا، كيف يتصوّر إفراجا له من السجن بعد كل هذه السنوات الطويلة التي قضاها، وبعد أن تقطع مسافة المؤبد مسارها اللانهائي بفعل صفقة مشرّفة، تشرق شمس الحرية فيجد كل أحبابه في استقباله ما عدا أمّه فتغرق هذه الشمس في الظلمات عندما لا يجد أمّه أول المستقبلين، تامر لا يستطيع أن يتخيّل هذا المشهد مجرّد تخيّل فكيف به إذا حصل بالفعل؟

هذه الام العظيمة التي بمجرد دخول فلذة كبدها السجن تتحول الى قلب يسير على الارض يحمل وظيفة واحدة وهي أن ينبض مع نبض ولدها، يرقبه يحسّ به يتناغم معه تتوحد مشاعرهما وتصبح ذات معزوفة واحدة، كانت رحمها الله لا تترك مسيرة أو وقفة أو تحركا صغيرا أو كبيرا الا وتحرّكت معه يحدوها الامل وتنشر روح التفاؤل والتبشير بفجر حرية قادم، كانت تشع بابتسامتها لتخترق سحب اليأس السوداء فتنثر في قلوب الأمهات نورا يبشّر بخير ويبثّ مزيدا من الطمأنينة الايمانية الجميلة.

أم تامر البرغوثي تاقت الى لقاء ربها وكأنها كانت تخفي تحت وجهها المشرق وابتسامتها المضيئة شوقا آخر للقاء ربّها، اختارت الرفيق الأعلى وهي من هناك ستظلّل ولدها وكل الاسرى بروحها العظيمة، اختارت قرب ربها لتبثّ من هناك دعوات رخيّة رضيّة فتنشر عبقها في السجون، اختارت أن تشكو هناك لربّها ظلم صهاينة قد جاوزوا المدى وبلغوا بقهرهم لعباد الله كلّ مبلغ.

لن تموت فينا أمهاتنا مهما فعل الاحتلال بنا ، ستبقى روحنا متعلقة تعلقها الأول دون أي انقطاع ، لا نصدق ولا نحسب أبدا أنها ماتت لأنها شهيدة عند ربها ترزق، لا شك في هذا فهي لم تترك الخندق الأول في المعركة ولم تُضيّع لحظة دون اشتباك مع ألد أعداء الله .

وهنا نستذكر كل الأمهات اللاتي ذهبن دون أن تكتحل عيونهن اشراقة وجوه ابنائهن خارج السجون، ذهبن محمّلات بأجورهن العظيمة فقد حفيت أقدامهن وهن يطاردن خلف أبنائهن من سجن نفحة اقصى الجنوب الى شطة وجلبوع أقصى الشمال، سرن على درب الالام طويلا ، لم يجزعن من كثرة سجونهم ولا ثقل مؤبداتهم، صبرن الصبر الجميل الملفع بالرضى دون ان يسمع الاحتلال همسة شكوى لغير الله ، بكل عزة واباء أغمضن أعينهن وارتحلن رحيلهن الأخير عن هذه الدنيا.

كثيرات الأمهات اللاتي ارتحلن قبل أن تصل رحلة الاسر لأبنائهن في السجون نهايتها المأمولة، أذكر منها أم سفيان المغربي التي جاءتها منيّتها قبل الافراج عن ابنها من حبسة قوامها خمس عشرة سنة بخمسين يوما، طلب الاسرى في عسقلان من إدارة السجن ان يسمحوا له بإلقاء النظرة الأخيرة وان يحضر جنازة أمه، وكان الردّ منهم أنهم سمحوا له (بسخرية مشينة) باتصال هاتفي، بالطبع رفض عرضهم الذي يدل على أي درجة من النذالة قد وصلت اليها نفوسهم الكريهة.

فرحة أم الأسيرين عمر ونائل البرغوثي كانت آخر زيارة لها محمولة بسيارة إسعاف، كانت زيارة وداع وخاتمة لمئات الزيارات التي ما كلّت وما خارت قواها وما ندّ من فمها الا ما يسمو بالروح ويؤكد العنفوان الذي لا تخبو ناره ، ماتت وهي تقول درهم شرف خير من بيت مال.

هي الأم الفلسطينية التي تحمل ولدها في قلبها ويسكنها هو في قلبه دون أن تعبأ بجدرانهم أو حديدهم وكل ما صنعته أحقادهم.