بدر مصلح.. شاب يذوق مرارة فقدان البصر مرتين

...
بدر مصلح مع طفلته
غزة/ صفاء عاشور:

ليس هينًا أبدًا على الشاب الثلاثيني بدر مصلح أن يكون فاقدًا للبصر، وهو الذي أبصر النور منذ ولادته ورأى به كل الألوان، والأماكن، والوجوه، والأشياء، وكل ما تقع عليه العين، حتى سن أربع سنوات، لتكون أحداث الانتفاضة عام 1987م ومقاومة الشبان للاحتلال آخر ما تقع عليه عينه.

"في سن أربع سنوات أصبت بضعف في إحدى عينيّ، ما تطلب عملية فيها، أجريت في أحد مستشفيات مدينة القدس، وبعد عودتي للمنزل كان هناك بعض الشبان يلقي جنود الاحتلال قنابل الغاز صوبهم" يقول مصلح لصحيفة "فلسطين".

ويضيف: "خوفًا من وصول الضرر إلى عيني من الدخان ورائحته؛ كانت والدتي تحاول إطفاءه بالماء".

ويشير إلى أن فضوله دفعه لأن يتوجه للمكان الذي فيه والدته، وبسبب كثافة الدخان ورائحته تضررت عينه كاملًا وفقد البصر بها، حسب تشخيص الطبيب الذي حذره من تضرر عينه الأخرى في حال حدوث أي مضاعفات فيها، أو ارتفاع ضغط العين.

ويلفت مصلح إلى أنه لم يتمكن في تلك المدة من الالتحاق بالمدرسة مثل باقي أصدقائه في الحارة، بسبب رفض المدرسة قبوله، وهو ما اضطره إلى الدراسة في أحد المراكز الخاصة بتأهيل المعاقين بصريًّا.

ويذكر أنه درس في ذلك المركز جميع صفوف المرحلة الابتدائية، وحصل على تأهيل وظيفي، وتعلم الاعتماد على الذات، وتعرف إلى أطفال من البيئات الفلسطينية كافة كانوا يشتركون في شيء واحد، وهو فقدانهم البصر.

انتقل إلى المرحلة الإعدادية، وهي التي أسست لديه العمل المجتمعي إذ بدأ المشاركة في فعاليات مؤسسات المجتمع المدني، وحصل على دورات كثيرة جعلته معروفًا في الوسط الذي يعيش ويشارك فيه.

ويلفت مصلح إلى أنه كان يحب التعلم والدراسة كثيرًا، لذلك كان في كل مرحلة يكون من المتفوقين حتى وصل إلى المرحلة الثانوية، التي شهدت انطلاقة انتفاضة الأقصى، وليكون عام تخرجه في الثانوية هو عام استشهاد مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس الشيخ أحمد ياسين، والرئيس الراحل ياسر عرفات.

يقول: "اهتمامي بأحداث الانتفاضة وما يحصل في القطاع جاء على حساب دراستي، ولكني تمكنت من الحصول على درجة الثانوية العامة، ودخول الجامعة والالتحاق بتخصص التاريخ والآثار في الجامعة الإسلامية".

ويوضح مصلح أن اهتمامه بخدمة فئة فاقدي البصر جعله دائم البحث عن الطرق المتوافرة لدعمهم وإبراز قضيتهم وحقوقهم في المجتمع المحلي، وهو ما دفعه لتأسيس جمعية "أصدقاء الشموع" بالتعاون مع بعض أصدقائه في العام الأول له في الجامعة.

وينبه إلى أنه طوال المدة الماضية كان يعيش بعين واحدة، ولكنه كان على الأقل لا يزال يرى العالم، حتى وصل إلى السنة الثالثة في دراسته الجامعية إذ شعر في وقت من الأوقات بتعب وألم، فحول إلى أحد المستشفيات الذي شخص حالته بارتفاع مفاجئ في ضغط العين تسبب بفقدانه البصر في العين الأخرى.

قرار مصيري

لم يكن فقدان البصر كاملًا أمر سهل على مصلح؛ فقد تسبب الأمر بانعزاله عن كل المحيطين به، لتقتصر حياته على الاستيقاظ، والصلاة، وتناول الطعام، والنوم، كان كلما أراد الخروج من المنزل، ولا يرى أمامه بيت الجيران أو الأطفال يلعبون في الحارة، تملكه الحزن وعاد أدراجه، لافتًا إلى أن أكثر ما أحزنه وتسبب ببكائه هو عدم قدرته على القراءة من جديد.

يقول: "لم يكن من السهل التأقلم مع الحياة الجديدة التي طغى عليها اللون الأسود، ولكني أخذت قرارًا بعد أيام وأسابيع من الانفراد بنفسي أني لن أقبل أن أعيش بعيدًا عن العالم، وأن إعاقتي ستكون مصدرًا لقوتي لا ضعفي".

ويضيف مصلح: "بالفعل قررت استكمال دراستي والاستمرار في حياتي الشخصية، والعمل في مجال التدريب في مؤسسات المجتمع المدني على اختلافها، والزواج، وإني رُزقت طفلين".

ويختم: "إني مصرٌّ على حمل رسالة فاقدي البصر، وتأكيد أنهم يستطيعون تحقيق كل ما يحلمون به، بمساندتهم وتوجيههم للمشاركة في كل المشاريع والفعاليات الخاصة بهم وبدعمهم".