طفله الثالث يبصر النور قريبًا

تقرير في غمرة الاشتياق.. رصاصة إسرائيلية تقتل أمنية والدة الشرطي الفلسطيني بدوان

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

بقي يومان لانتهاء دوامه وسفره إلى عائلته بالعاصمة الأردنية عمّان، يتصل طارق بدوان (25 عاما) بوالدته بلهفة وصوت تغمره السعادة: "يما؛ شو أجيبلك معي من الضفة؟".

أن تسمع الوالدة صوت نجلها فذلك أمر يكفي لبعث السعادة في نفسها ليوم كامل، لترد قائلة: "بدي تيجيني سالم غانم". كرر ابنها الطلب لكنها أعطته الإجابة ذاتها، حتى أنهى الاتصال: "خلص بس أخلص شغلي بكلمك"، وليت حدث ما تمنت الأم.

فجر الخميس، السادس من فبراير، بعد ليلة باردة من أيام شباط المتقلب، تفسد أصوات المواجهات سكون المكان بمخيم جنين شمال الضفة الغربية، بقي يومان على انتهاء دوام طارق بدوان أحد أفراد الوحدات الخاصة بالشرطة الفلسطينية، ليسافر إلى زوجته وأمه وطفليه تيم "ثلاثة أعوام" وأرام "عام"، في عمان، ليتابع ترتيبات استقبال طفله الجديد، فزوجته حامل بابنه الثالث.

بالعادة يسافر طارق إلى الضفة الغربية لمدة 45 يومًا يعمل بجهاز الشرطة الفلسطينية الخاصة، ومن ثم يرجع إلى العاصمة الأردنية لقضاء إجازة تبلغ مدتها 21 يوما، وهكذا حاله منذ سنوات، رفض الكثير من عروض العمل في عمان لأنه يريد أن يبقى يشم رائحة الوطن من بزته العسكرية.

بذات اليوم، الساعة الثانية والنصف فجرا، صوت قادم من ناحية الباب يوقظ والد طارق من نومه ببيته بمدينة قلقيلية، الطارق أحد أفراد الشرطة الفلسطينية يخبره أن ابنه أصيب برصاص الاحتلال، لكن قلب الأب يدله إلى ما يشعره به: "ابني شهيد؟"، الأول لم يعطه إجابة على هذه الهواجس ليبقيها مشتعلة تتقلب بداخل قلبه: "ما نعرفه أنه مصاب".

ساعات ثقيلة

مرت الساعات ثقيلة على قلب الأب في معرفة مصير نجله، إلى أن أشرقت شمس الصباح وطوت السيارة الطريق البالغ مسافتها نحو 80 كيلو مترا من قلقيلية إلى جنين، ويجد روح ابنه قد فارقت الحياة شهيدا خلال تأدية واجبه الشرطي.

في عمان، تقلب الحال على والدته التي علمت أن ابنها أصيب مع صباح جديد، فبدلا أن يأتيها ويمضي معها إجازة عائلية سعيدة، استقلت سيارة وقطعت مسافة شاسعة لتطمئن على وضعه الصحي، وتفاصيل إصابته.

بعد ساعات، تحط سيارتها أمام منزل العائلة بمدينة قلقيلية، تنظر إلى نساء يملأن المنزل وأناس خارجه، ومقاعد منتشرة في المكان، مشهد لم تكن تتخيل أو تتوقع حدوثه.

تمالكت والدته نفسها، ولملمت أحزانها، لتحرر كلماتها المقهورة بوجع الفراق قائلة بصوت حزين: "كنت أنتظر أن ينتهي اليومان ليعود ابني إلى عمان ليقضي إجازة مدتها ثلاثة أسابيع بعد 45 يوما من العمل في الضفة الغربية، لكنه رحل دون أن نودعه ونراه حيا".

"لما بيجي كان بملي البيت فرحة وبنقعد نستنى فيه على الباب ونزفه" .. ما قالته والدة الشهيد، مشهد لن يتكرر بعد اليوم، سيبقى في شريط ذكرياتهم، غاب ابنها وبقيت ابتسامته و"إطلالته البهية" تطل في قلوبهم وتذكرهم بالجريمة الإسرائيلية.

قبل أن تسدل الستار على حديثها تقول بصوت خافت: "نسكن كعائلة بعمان بعمارة واحدة، يعيش طارق بالطابق الأول، كان أبناؤه يشتاقون إليه، حتى أنهم كبروا ووالدهم بعيد عنهم، كان أبناء الجيران يحبونه، وكان يكره أن يذكر الآخرين بسوء، عرضت عليه الكثير من الوظائف في عمان لترك العمل بالشرطة لكنه رفض، فهو اعتبر الاستمرار بأداء مهمته واجبا وطنيا، ويحب لباس الشرطة، وكان أنيقا يحب الترتيب".

عبر طرف سماعة الهاتف "الأخرى" يرجع والده العميد في جهاز الدفاع المدني، لؤي بدوان، إلى لحظة ولادة ابنه: "كنت في غزة عام 1995م، لزيارة أقاربي فيها فأصل عائلتي من غزة ولنا انتشار في الضفة الغربية، وأخبرت هاتفيا بقدوم ابني فسميته (طارق) ثم كبر والتحق بالوحدة الخاصة بالشرطة الفلسطينية التي شاركت في تأسيسها".

منتصف ليلة الخميس، اقتحمت قوات الاحتلال مخيم جنين، واعتلت قناصتها الأبنية. في الأثناء كان طارق يتواجد على مدخل مركز للشرطة يتحاور مع زملائه، قبل أن تخترق خاصرته رصاصة من قناص إسرائيلي. يقول والده: "كانت الرصاصة متفجرة، أحدثت تفتتا بالأوردة والشرايين، والنخاع الشوكي، لم تنجح كل وحدات التبرع بالدم في انقاذه".

بعد أن احتسى جرعة من صمت، في غمرة المعزين، يرثي نجله بصوت يخنقه الحزن: "ما قدمته طوال حياتي قدمه نجلي في لحظة .. أعيش الآن على ظله".

فرحة منقوصة

رضيع سيبصر النور قريبا ليجد نفسه بلا أب، فهذه فرحة انطفأت قبل أن توقد، يبحث "تيم" و"أرام" بين جموع المعزين عن وجه أبيهما فلا يجدونه، زوجته رشا العمري (22 عاما) التي ارتبطت به قبل خمس سنوات، ستعيش فرحة منقوصة، وحينها ستكون الفرحة أصعب من الحزن ذاته، فلن تجد تلك الذراع التي احتضنت طفليها الأوليْن.

ولا تملك العمري هوية فلسطينية، إذ تعيش في الأردن، وكان الشهيد يسافر إليها في فترات إجازته، وقد حضرت اليوم إلى بلدة عزون شرق قلقيلية شمالي الضفة الغربية مسقط رأس زوجها، لوداعه بعد تنسيق قامت به السلطة الفلسطينية مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، على أن تغادر بعد انتهاء العزاء.