زيارة عباس إلى غزة .. الأمنية المستحيلة

رحم اللهُ أحمد شوقي كم كان مؤدبًا في الاكتفاء بوصف من يظن أن للثعلبِ دينًا بـ"مخطئ"، ولا أخاله اكتفى بـ"مخطئ" من قلة، وهو" أمير الشعراء".

قد يسأل القارئ: ما علاقة المقدمة بالعنوان؟، حسنًا، سأخبرك.

تُعجِبُ كثيرين فكرة أن عباسَ سيزور غزة، فيصفقون له، خاصة حينما يدور الحديث عن قضايا مصيرية وحروب وعواصف شديدة تهب على القضية الفلسطينية، وأحدثها "صفقة ترامب"، وهذا شيءٌ جميلٌ، لكن جمالَ المبنى لا يعني جمالَ المعنى كما يقول أهل المنطق وعلم الجمال، فكم من مرةٍ سمعنا عن الزيارة؟، كثيرًا، وكم من مرة نفذت؟، لا شيء.

تتدافع الأسئلة في عقل التابع والمتابع، هل بالفعل يرغب عباس في زيارة غزة؟، وما مغزى إعلان الزيارة؟، وما مغزى الزيارة، إن حصلت؟، هل سيعتذر إلى غزة وأهلها على سوء فعاله بحقها؟، هل سيعلن الكفاح المسلح منها؟، هل سيصلح ما أفسده طيلة السنوات الماضية؟

لنفترض أن الإجابة "نعم"، فلماذا لا يفعل ذلك وهو في الضفة؟، أيخشى على حياته، وهو الذي جرب كل شيء في حياته من حلال وحرام ولم يتبق لديه من القمح ما يستثير فضول الحمام؟، إذن ما الهدف من إعلان الزيارة؟

يعلمُ عباس وأصغر طفل فلسطيني أن (إسرائيل) لن تسمح له بزيارة غزة، لذا يتطوع ويدعي التحدي، وهو الذي اعترف مرارًا وتكرارًا بأن تنقله من محافظةٍ إلى محافظةٍ في الضفةِ يحتاجُ لإذنٍ صهيونيٍّ، ويبدو لي أن من دوافع إعلان رغبة عباس بزيارة غزة:

1_ تسكين الجبهة الداخلية كي لا تخرج الأمور عن السيطرة الأمنية، وخاصة في الضفة.

2_ إدخال الجبهة الداخلية في المزيد من المُلهيات للخروج بأسس جديدة تعزز الانقسام، وما إن يعود رئيس الوفد عزام الأحمد لرام لله حتى يبدأ الاتهامات، فننشغل بالاتهامات وننسى صفقة القرن.

3_قطع الطريق على استمرارية جولة هنية الخارجية نظرًا إلى أنها قد تؤسس لمرحلة جديدة من علاقات حماس بالمحيط العربي والإقليمي والدولي.

4_ تأكيد شرط قديم جديد ورد في بنود صفقة ترامب، وهو نزع سلاح المقاومة تحت بند "سلاح واحد وسلطة واحدة".

5_ سحب المزيد من صلاحيات الوزارات بغزة بحجة أن ذلك من مقتضيات مواجهة صفقة ترامب.

6_ العزف على وتر أن الحاجة الآن ملحة للمصالحة وفق مقتضيات مصلحته، ومن يشذ يُضيّق عليه.

يؤكد قناعتي بأن غزة لا تعنيه بشيء، وأن وجوده بغزة هو أقرب للأمنية المستحيلة، أنه سرعان ما يتراجع ويكتفي بإرسال وفد رفيع المستوى مخول صلاحيات ما يرأسه عزام الأحمد، الذي يُجمعُ كثيرون والتجارب أنه كلمة السر في تعزيز الانقسام.

أرى من واقع التجربة أن حديث السلطة عن معارضتها صفقة القرن واستعدادها لمواجهتها هو كذب في كذب، وإن كان شوقي قد قال "مخطئ" من باب التورية لأن مقتضيات ذاك الزمن تتطلب ذلك، فأنا سأفوض أمري إلى الله وأقول: مجرمٌ من ظن يومًا أن للثعلب دينًا، ويدعمني في ذلك المثل الشعبي: "اللي بيجرب المجرب عقله مخرب".

--